ربى أبو عمو


يبدو أن إقليم كوسوفو ليس إلاّ جزءاً من لعبة «بازل» عالمية، يتسابق على تركيب أجزائها ورسم صورتها النهائية كل من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين الغربيين من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى. ولم يبقَ إلاّ القليل من القطع المعقدة لاكتمال الصورة، في ضوء الاجتماعات المقبلة للاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن في 19 الشهر الجاري. أما البديل فهو العودة إلى نقطة الصفر.
لم تخطئ فرنسا حين قالت أول من أمس إن «الأزمة في كوسوفو طالت كثيراً»، وإن «الوقت قد حان لتحديد وضع هذا الإقليم الصربي»، الذي تطالب غالبيته الألبانية بالاستقلال. باريس ستعرب عن موقفها هذا مجدداً غداً خلال قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، حيث سيحاول الاتحاد تصحيح صورته، وتحمّل مسؤولياته تجاه هذا الإقليم. كذلك يسعى إلى أداء دور «فاعل الخير المزدوج»، إذ سيسعى إلى إقناع بريشتينا (عاصمة الإقليم)، بالامتناع عن إعلان الاستقلال من جهة واحدة قبل الانتخابات الرئاسية الصربية التي تجري دورتها الثانية في الثالث من شباط المقبل، تجنباً لتعزيز موقع الأحزاب القومية، وسيحاول إغراء الجانب الصربي بالتخلي عن تعنته والقبول بالاستقلال التام للإقليم تحت وطأة التهديد بضمه إلى الاتحاد.
إلاّ أن هذه الشكليات الدولية لا تغيّر واقع الحال، وهو أن الملف عاد إلى مجلس الأمن، حيث الدعم الأميركي للاستقلال من جانب واحد والتلويح الروسي بـ«النقض»؛ فهل تنجح موسكو في الحؤول دون فصل كوسوفو عن صربيا في ظل خوف الفريق الآخر من انفجار أوروبي جديد، قد يؤدي إلى قلب موازين القوى، أم سترتضي استقلالًا يحفظ لها مكاسب في ملفات أخرى؟
بالنسبة للروس، فلموقفهم المساند لصربيا مرجعيته التاريخية والقومية منذ أيام التحالف الشيوعي في عهد يوغوسلافيا والاتحاد السوفياتي السابقين. إذ ينحدر الجانبان من قومية واحدة هي «السلافية». ونظراً لتنامي ما يمكن تسميته بـ«الاندماج السياسي الديني»، والذي يكرّس الدين لمصلحة السياسة، رغبت موسكو في الحفاظ على حليفتها السابقة لانتمائهما إلى الطائفة «الأرثوذكسية»، عكس الدول الأوروبية الأخرى ذات المذهب الكاثوليكي أو البروتستانتي.
وهذا ما دعا الكنيسة الأرثوذكسية الصربية إلى التمسك بكوسوفو حتى النهاية، إذ ناشدت صرب الإقليم الصمود وإنجاب المزيد من الأطفال «لصون القوة الشعبية الصربية واستمرارها».
كذلك تحاول روسيا استرجاع نفوذها العالمي، وفك الحصار الغربي عليها، في ظل السياسة التوسعية التي يقوم بها حلف الشمال الأطلسي نحو دول أوروبا الشرقية، أي الجمهوريات السوفياتية السابقة، من خلال ضم العديد منها.
ولعل ما يشير إلى عمق العلاقة التي تجمع روسيا مع صربيا، تمسّك موسكو بنشر وحدات عسكرية في كوسوفو لحماية السكان الصرب، عقب الهجوم الأطلسي عام 1999، لتكون الدولة الوحيدة من خارج الحلف التي تملك قوات عسكرية في الإقليم لا تتبع قيادته.
ومع اقتراب شبح الاستقلال الأحادي لكوسوفو، يسعى الغرب إلى استرضاء الجانب الروسي من خلال مقايضته بملفات أخرى، وخصوصاً أنه يدرك تماماً أن موسكو لن تقف مكتوفة اليدين هذه المرّة، وقد هدّدت بإلغاء أي إعلان أحادي للاستقلال.
في المقابل، يدرك الروس أن ألبان كوسوفو لن ينتظروا الكثير من الوقت لإعلان الاستقلال. لذا يمكن القول إن تفجير الأزمة في منطقة البلقان رهن «توازن الرضى الأميركي والروسي».
ومع اقتراب النهاية، أو البداية الجديدة، يبقى السؤال في البلاط الدولي ضمن لعبة الشطرنج هذه، لمن ستكون الغلبة ومن سيطيح الملك؟