ظهر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أمس، علناً أمام الإعلام قرب سان بطرسبورغ، بعد غياب «غير معهود» دام عشرة أيام، كان كافياً ليطلق خلاله الإعلام الغربي العنان لمخيّلته وينسج القصص والروايات المختلفة عن تدهور صحته وعن انقلاب محتمل تعرّض له. سخر الرئيس الروسي، أمس، من «الأقاويل» والتكهنات، التي تراوحت بين: «أصبح أباً مرة جديدة»، «أطاحه انقلاب» أو «أصيب بوعكة صحية» (انفلونزا أو سرطان أو نزف في الدماغ أو مشكلة في العمود الفقري)، ليصل بعضها إلى نظرية أنه «أجرى عملية تجميل أو يشارك في مسابقة للجودو في كوريا الشمالية»، أو حتى أنه «توفي».


ويعود الظهور العلني الأخير لبوتين (62 عاماً)، عند مشاركته في مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الإيطالي، ماتيو رنزي، ألغى بعده، الأسبوع الماضي، عدداً من المواعيد المقرّرة؛ من بينها رحلة إلى كازاخستان، وتوقيع اتفاق تحالف مع منطقة أوسيتيا الجنوبية الانفصالية.
وخلال لقاء مع نظيره القرغيزي، يلمظ بك اتامباييف، في قاعة داخل قصر قسطنطين قرب سان بطرسبورغ، أمس، قال بوتين أمام صحافيين: «سنشعر بالملل من دون الأقاويل».
كذلك علّق المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بسكوف، على الموضوع بسخرية. قال أمام الصحافيين: «الآن رأى الجميع الرئيس المشلول الذي قبض عليه جنرال وعاد للتو من سويسرا حيث أنجب طفلاً للتو؟». وأضاف: «لا نريد التحدث في الموضوع، فكل شيء على ما يرام».
وبدا ظهور بوتين لافتاً، بالتزامن مع الذكرى الأولى لضم جزيرة القرم التي شكلت عامل الخلاف الأبرز بين روسيا والغرب. ففي وثائقي بثّ، الأحد، لهذه المناسبة، أعلن الرئيس الروسي أن بلاده كانت «مستعدة»، في آذار 2014، لاستنفار قواها النووية لو حصل تدخل عسكري غربي في شبه جزيرة القرم الأوكرانية التي ضمّّتها موسكو قبل عام.
وقال بوتين، الذي نقلت قناة «روسيا 1» التلفزيونية العامّة تصريحاته قبيل عرض الوثائقي، مساء اليوم ذاته: «كنّا مستعدين للقيام بذلك»، مضيفاً إن القيادة الروسية كانت مستعدة لمواجهة «المنعطف الأسوأ الذي كان يمكن أن تتخذه الأحداث».
وفي هذا الإطار، أشار بوتين إلى أن الجيش الروسي كان قد نشر في القرم بطاريات صواريخ دفاع ساحلية من طراز «باستيون» وأسلحة من شأنها ردع أي بارجة أميركية كانت آنذاك في البحر الأسود عن التدخل، موضحاً أنها «بطارية الدفاع الساحلي الأكثر فاعلية حتى الآن. وفي مرحلة معيّنة، ولإفهام الجميع أن الدفاع عن القرم مؤمّن، نقلنا هذه البطاريات إلى هناك».
وتابع الرئيس الروسي: «كنا نجهل يومها» ما إذا كان الغرب سيتدخل عسكرياً، «لذا، كنت ملزماً بإعطاء التعليمات الواجبة لقوّاتنا المسلّحة. وإصدار أوامر تتعلق بموقف روسيا وقوّاتنا المسلّحة في كل الظروف».
وقد «تحدثت إلى زملائنا (الغربيين) وأبلغتهم أنها أراضينا التاريخية، وأن روساً يقيمون هناك هم في خطر وأننا لا نستطيع التخلي عنهم»، قال بوتين، مؤكداً أنه «كان موقفاً صريحاً وواضحاً. ولهذا السبب، لا أعتقد أن أحداً ما كان يرغب في إشعال نزاع عالمي».
كذلك، رأى الرئيس الروسي أن إرسال جنود روس إلى القرم أتاح تجنّب «سقوط دماء»، خلال الاستفتاء الذي شهدته شبه الجزيرة في آذار من العام الماضي. وقال: «كنا مجبرين على اتخاذ التدابير الضرورية للتأكد من قدرة سكان القرم على التعبير عن إرادتهم بحرية»، مضيفاً إنه «كان علينا أن نعزز وجودنا العسكري في القرم ليسمح عدد جنودنا بتأمين الظروف الملائمة لتنظيم استفتاء، استفتاء من دون سقوط دماء».
وأمس، جدّد الاتحاد الأوروبي إدانته «للضم غير الشرعي» لشبه جزيرة القرم إلى روسيا، معرباً عن قلقه من «الانتشار العسكري المتزايد» فيها.
وأعلنت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني، في بيان، أنه «بعد عام على إجراء استفتاء غير قانوني وغير شرعي، وبعد ضم روسيا للقرم وسيباستوبول، بشكل غير شرعي، فإن الاتحاد الأوروبي يظل ملتزماً لصالح سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها». وأضاف البيان إن «الاتحاد الأوروبي لا يعترف وسيواصل التنديد بهذا العمل الذي ينتهك القانون الدولي». ويأتي تصريح موغيريني، في الوقت الذي أكد فيه رئيس الاتحاد الأوروبي، دونالد تاسك، أن على الاتحاد الأوروبي رفض أي تسوية مع روسيا، بشأن العقوبات المفروضة عليها بسبب الأزمة الأوكرانية.
وقال تاسك إن عدم إبقاء العقوبات حتى استعادة أوكرانيا السيطرة على حدودها مع روسيا، قد يسيء إلى العلاقات مع الولايات المتحدة، معتبراً أن الثقة في حسن نية الرئيس الروسي «سذاجة أو خبث».
في هذه الأثناء، استأنف بوتين ظهوره، أيضاً، بإصداره أمراً بوضع أسطول الشمال وبعض تشكيلات الدائرة العسكرية الغربية وقوات الإنزال الجوي، في حالة التأهب والاستعداد القتالي القصوى.
وصرّح وزير الدفاع، سيرغي شويغو، بأن هذا التحرك يأتي في إطار اختبار مفاجئ جديد لجهوزية القوات الروسية.
وأوضح شويغو أن الاختبار المفاجئ يشمل 38 ألف عسكري وأكثر من 3 آلاف وحدة من الآليات الحربية و41 سفينة و15 غواصة و110 طائرات ومروحيات، في حين لم يستبعد ظهور ضرورة للدفاع عن المصالح الروسية في منطقة القطب الشمالي.
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)