كان لافتاً يوم أمس إعراب رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، من المنتدى الاقتصادي «تنمية الصين» المقام في بكين، عن ترحيبها بإنشاء «البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية»، واستعداد صندوق النقد الدولي للتعاون معه! وقال الرئيس المؤقت للبنك، جين لي تشون، إن 35 دولة على الأقل ستنضم إلى البنك بحلول نهاية الشهر الحالي، منوّها بإبداء الهند وإندونيسيا ونيوزيلندا اهتمامها بالانضمام إلى البنك الذي تُنشئه الصين ليكون منافساً لصندوق النقد والبنك الدولييَن اللذَين تهيمن عليهما الولايات المتحدة واليابان، بحسب اعتقاد العديد من الخبراء. غير أن ذلك لم يمنع لاغارد من القول «إن بين المؤسسات الحالية والبنك الجديد آفاقاً واسعة للتعاون، أكثر من المنافسة»!


بالرغم من الضغوطات التي تمارسها الولايات المتحدة على الدول الراغبة في الانضمام إلى البنك الوليد «لإعادة النظر» في وجهتها، تحت ذرائع مختلفة من نوع التشكيك في امتلاك البنك الجديد «معايير حوكمة كافية وضمانات بيئية واجتماعية مناسبة»، طلبت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا ولوكسمبورغ بالفعل الانضمام إلى البنك كأعضاء مؤسّسين، فيما يدرس حلفاء استراتيجيون للولايات المتحدة في المنطقة، مثل أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، الانضمام أيضاً. بحسب جين لي تشون، فإن 35 دولة على الأقل ستنضم إلى البنك كأعضاء مؤسّسين بحلول 31 آذار الحالي.
وقال وزير المالية الصيني لوه جي وي لإذاعة الصين الوطنية، يوم أول من أمس، إن نحو 27 دولة طلبت بالفعل الانضمام إلى البنك الذي يُتوقع أن يبدأ بتقديم القروض لمشاريع البنى التحتية في الدول النامية بنهاية العام الحالي، علماً بأن مسؤولين في البنك الآسيوي للتنمية قالوا إنهم «سعداء» بالتعاون مع البنك الجديد الذي تأسّس العام الماضي، وبلغ رأس ماله المصرّح به 100 مليار دولار.
وفي خطوة أقل دراماتيكية، لكن لا تقل دلالة على المساعي الحثيثة لدول «البريكس » للخروج عن الهيمنة المالية الأميركية شبه المطلقة، بدأ مجلس الدوما الروسي بدراسة مشروع قانون لإجراء تعديلات على نظام المصارف يتيح لها القيام بعمليات تجارية، بما يتيح عمل البنوك الإسلامية. يهدف مشروع القانون إلى فتح السوق الروسية أمام مصادر تمويل جديدة في مواجهة العقوبات الدولية (اقرأ الأطلسية) المفروضة على موسكو حالياً، بحسب مقال نشرته وكالة «تاس» الروسية للأنباء. ونقل عن نائب محافظ المصرف المركزي الروسي، ألكسندر تورشين، قوله إن « الدول الإسلامية ترى في روسيا شريكاً يتمتع بالمصداقية، فلماذا لا تكون لدينا خدمات مالية إسلامية منسجمة مع القوانين الروسية؟».
لا يخضع الدولار الأميركي للمنطق نفسه الذي تخضع له العملات الرئيسية الأخرى في العالم، لكونه العملة المتحكمة في التبادل التجاري العالمي بالسلع الاستراتيجية، والعملة شبه الوحيدة للتجارة بالنفط والغاز خصوصاً. غير أن «استمرار الهيمنة العالمية للدولار لم يعد أمراً مسلّماً به منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية سنة 2008»، بحسب العديد من المحللين الذين استطلعت آراءهم وكالة «دويتشه فيله». يعكس هذا التحول تراجع القوة التصديرية للاقتصاد الأميركي واستمرار أزمته البنيوية التي تسببت في الأزمة المالية العالمية الأخيرة وأزمات أخرى سابقة كادت تودي بالنظام النقدي الدولي الحالي إلى الهاوية، بحسب الوكالة التي تشير إلى ارتفاع حجم الدين الأميركي إلى أكثر من 18 تريليون دولار، أي ما يزيد على الناتج المحلي الإجمالي الأميركي المقدر بنحو 17 تريليون دولار، كعامل يفاقم الخلل في بنية الاقتصاد الأميركي الذي أصبح أكثر مديونية من اقتصاد اليونان (نسبياً) إذا ما احتسبنا ديون صناديق الدعم الاجتماعي.
أما لجوء البنك المركزي الأميركي إلى طباعة مئات المليارات من الدولارات وضخّها في الأسواق، فيدفع العديد من الدول، في مقدمتها الصين وروسيا والهند، إلى تقليص احتياطاتها من الدولار بشكل تدريجي، لمصلحة التحوّط باليورو والذهب وقيم أخرى، بحسب الوكالة نفسها التي تشير إلى «موجة قوية صاعدة في مختلف أنحاء العالم لشراء الذهب إلى الحد الذي يبدو فيه الأمر كأنها تعمل على تشكيل احتياطي ذهبي، على غرار ما كانت عليه الحال حتى سبعينيات القرن الماضي، عندما كانت قيمة العملة مرتبطة بحجم التغطية الذهبية»!
( رويترز، الأخبار)