لا يعني الوقت المستقطع الذي يسبق استئناف «ماراثون» المفاوضات النووية في سويسرا أن الهدوء سيّد الموقف. اليومان الماضيان كانا حافلين بـ«مفاوضات» عن بعد، وربما برزا أكثر تعبيراً عمّا تمّ جنيه من التفاوض المباشر. وإن كان كل ذلك، حتى الآن، لا يحمل أيّ جديد على مستوى تعاطي الغرب مع إيران، خصوصاً في ظل ما يرشح عن عرقلة فرنسية «كانت متوقعة» للحؤول دون اتفاق، لكنّه يفضي إلى اقتناع «قديم متجدّد» بأن هذه العرقلة تؤخذ دائماً بعين الاعتبار، ليس لأن فرنسا دولة كبرى مشاركة في المفاوضات، ولكن لأنها المعبّر عن مصالح من لا مصلحة له في إتمام الاتفاق. لم يكذب حدس المتابعين، فقد بدأت التقارير الإعلامية تفصح عمّا تقوم باريس خدمة لتل أبيب أو للرياض في هذا المجال، ما يشير إلى أن مواقفها المتشدّدة إزاء الملف النووي الإيراني ستصبح أكثر تشدداً، وبالتالي يوحي بأن اللحظات الأخيرة ستكون أطول من الأشهر الخمسة الماضية.


أما في ما يتعلق بالتطوّرات ارتباطاً بالجانب الأميركي، فقد استدعت رسالة الرئيس باراك أوباما «الناعمة» إلى الشعب والقادة الإيرانيين رداً من المرشد الأعلى علي خامنئي، أكد فيه أن الولايات المتحدة تعمل على «تأليب الإيرانيين على الحكم الإسلامي»، مستبعداً أيّ تعاون مع أميركا بشأن القضايا الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، فـ«المحادثات مع واشنطن تقتصر على الملف النووي».

أكد الرئيس الإيراني أنه ليس
هناك مشكلة غير قابلة للحلّ

وسعى خامنئي، في كلمته لمناسبة عيد رأس السنة الإيرانية (النوروز)، إلى تبديد التكهنات لجهة أن التوصل إلى اتفاق نووي مع الغرب يمكن أن يؤدي إلى مزيد من التقارب، معتبراً أن ذلك «مستحيل». وإذ أكد المرشد رغبة طهران في حصول اتفاق ودعمه لفريق بلاده التفاوضي داعياً جميع الإيرانيين إلى «دعم أهداف الحكومة»، أكد أن «تعليق الحظر هو جزء من صلب المفاوضات وليس نتيجة لها».
كذلك وصف خامنئي في كلمة تلفزيونية أخرى مسجلة، مدتها نحو 5 دقائق، الرسالة التي بعث بها أوباما بأنها «غير صادقة».
ونفى تلميح أوباما إلى أن هناك أشخاصاً في إيران لا يريدون حلاً دبلوماسيا للمسألة النووية، قائلاً إن «ما لا يريده الشعب الإيراني هو قبول ما يريد الأميركيون فرضه بالقوة.. ولن يقبل مسؤولونا ومفاوضونا وشعبنا بذلك مطلقاً».
بدوره، أكد الرئيس حسن روحاني وجود الإرادة الكافية من قبل طهران للتفاوض والاتفاق ضمن معاييرها وخطوطها الحمراء، معتبراً في الوقت ذاته أن «التوصل إلى اتفاق ممكن ولا يوجد شيء غير قابل للحلّ».
لكن تفاؤل روحاني لا يعتبر كافياً، في ظل ما يسعى الجانب الفرنسي إلى القيام به لعرقلة كافة المساعي. وبعدما كان يجري الحديث عن تقدم في المفاوضات، أفادت وسائل إعلام غربية، من ضمنها «وول ستريت جورنال» الأميركية و«ذا غارديان» البريطانية، بأن السبب وراء تعثّر المفاوضات هو وجود تباينات في ما بين أعضاء مجموعة «5+1»، وخصوصاً بين واشنطن وباريس، في ما يتعلق بكيفية التعاطي مع إيران.
وأفادت التقارير الإعلامية، نقلاً عن مسؤولين أوروبيين، بأن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس اتصل بوفد بلاده إلى لوزان، طالباً عدم تقديم أي تنازلات إضافية إلى الإيرانيين قبل أن يوضحوا صحة ما تردّد عن أنهم قاموا في السنوات الماضية بتطوير تصاميم لرؤوس حربية نووية. هذا الأمر تماهى مع ما كتبه السفير الفرنسي في واشنطن جيرار ارو، في تغريدة على موقع «تويتر»، قال فيها إن «تحويل نهاية آذار إلى مهلة نهاية مطلقة أمر خطير ويؤدي إلى نتائج عكسية. نحتاج إلى كل الوقت لإنجاز اتفاق معقد».
الأميركيون، من جهتهم، علّقوا على الموقف الفرنسي بدعوة باريس إلى التركيز على البرنامج الحالي لإيران وليس العودة إلى الماضي، بينما أعرب الإيرانيون عن سخطهم ممّا يطرحه الفرنسيون، واصفين إياهم بـ«مخربي الصفقات».
وفي السياق، أشارت «وول ستريت جورنال» إلى أن بعض المسؤولين الأميركيين يعتقدون بأن فرنسا تسعى في جزء مما تقوم به إلى الحفاظ على علاقات قوية مع إسرائيل والدول العربية «القلقة بقوة» من الاتفاق النووي الأميركي الذي من الممكن أن يتم التوصل إليه مع إيران. وذكرت الصحيفة أن الشركات الدفاعية الفرنسية وقّعت اتفاقات أسلحة مع السعودية والإمارات، خلال السنوات الأخيرة.
ولكن رغم ذلك، فقد كانت هناك نقاط اختلاف أخرى لا تزال رازحة في وجه إتمام الاتفاق. ووفق ما أفاد به مفاوضون أوروبيون مطلعون، فإن من هذه النقاط: مدّة الاتفاق، التي تريد إيران اختصارها بسبعة أعوام، فيما يريدها الفرنسيون عشرين عاماً، ويطرح الأميركيون تسوية لخمسة عشر عاماً. كذلك من النقاط، عقوبات الأمم المتحدة التي تطلب إيران رفعها أولاً ويرفض الغربيون، خصوصاً الفرنسيين، ذلك قبل الحصول على ضمانات حول سلمية برنامجها النووي. هذا علاوة على أن الغربيين يطلبون من إيران تعهدات مكتوبة وواضحة. أما النقطة الأكثر تعقيداً فهي المهلة الزمنية التي يجب أن تفصل إيران عن إنتاج قنبلة نووية في حال انهيار الاتفاق أو انتهاء مدته.
وكان لافتاً تصريح وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند باسم فرنسا وبريطانيا وأميركا والاتحاد الأوروبي، أنه «آن الأوان لأن تتخذ إيران بشكل خاص قرارات صعبة».
(الأخبار، رويترز، أ ف ب، الأناضول)