strong>أرنست خوري


على وقع الوهج الإعلامي الذي ترتديه تداعيات الأزمة بين تركيا وحزب العمّال الكردستاني على علاقات أنقرة بواشنطن، المتوتّرة أصلاً، وعلى حسابات دخولها إلى النادي الأوروبي، وتوتير الوضع الإقليمي في الشرق الأوسط الملتهب... يصبح البحث عن الأبعاد الداخلية التركيّة للأزمة مغموراً من دون أن يعني ذلك أنه غير موجود وبقوّة

ما الذي طرأ فجأة لكي يخرج رئيس الحكومة التركيّة رجب طيّب أردوغان من لقائه الرئيس الأميركي جورج بوش «سعيداً» بالاقتراحات التي قدّمها إليه سيد البيت الأبيض حول سبل مكافحة حزب العمّال الكردستاني، وخصوصاً أنّها لم تحمل جديداً يبرّر تلك البهجة.
فقد سبق لوزير الدفاع التركي وجدي غونول أن اعتبر الاقتراح الأميركي الذي عرضه عليه نظيره الأميركي روبرت غيتس في أوكرانيا قبل أسبوعين، والقاضي بإنشاء «خزّان» معلومات استخباريّة أميركي ــــ تركي ــــ عراقي عن تحرّكات المقاتلين الأكراد وتنقّلهم وتسلّحهم في شمال العراق، غير مرضٍ وغير عملي. اقتراح كرّر بوش عرضه على أردوغان الذي رآه هذه المرّة «مرضياً»، ويمهّد، بحسب الرئيس الأميركي، لأرضيّة تسمح بالقضاء على «العدوّ المشترك» بفعاليّة.
بل أكثر من ذلك، لقد أكّد أردوغان أنّ بلاده لن تشن «حرباً» على حزب العمّال، بل ستكتفي بـ«عمليات» محدودة، في خطوة أكّدت أنّ كلّ تصريحاته السابقة عن «نفاد صبر» تركيا وكلّ الإجراءات العسكريّة والقانونيّة التي اتخذتها حكومته تمهيداً لاجتياح كان مرتقَباً، ما كانت إلّا فقاعة في الهواء.
تعديل في المواقف يبدو أكثر ارتباطاً بالصراع الداخلي التركي منه بمعطيات إقليمية أو دولية. صراع يدور منذ سنوات بين العسكر، «حُماة العلمانيّة»، والطبقة السياسية الحاكمة بقيادة أردوغان، وفاقمه وصول عبد الله غول إلى سدّة الرئاسة.
ومعروف أن المؤسّسة العسكرية قبلت بحكم أردوغان، وحزبه «العدالة والتنمية»، للبلاد على مضض. قبول فرضه عليها وضع اقتصادي منهار، نجح الحكام الجدد في تحسينه، وشعبيّة كاسحة لـ«الإسلاميّين الجدد»، ومعايير الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبينها ضمان الحريات والآليات الديموقراطية لانتقال السلطة. كانت رئاسة الجمهورية، في نظر هؤلاء، تشمل ضمانة دستورية لإرث أتاتورك، ولعدم انحراف الدولة في اتجاه إسلامي لا يرتضونه.
لكن الأزمة الأخيرة، التي فرضت انتخابات مبكرة، أوصلت عبد الله غول إلى رئاسة الجمهورية، وأدّت إلى تعديلات دستورية جعلت الرئيس يُنتخَب مباشرة من الشعب، فكانت بمثابة الشعرة التي قسمت ظهر البعير. وقد عبّر العسكر عن استيائهم، الذي بلغ حدّ الرفض الصامت، في مناسبات عديدة، لعلّ من بينها رفض حضور المناسبات العامّة في القصر الجمهوري، بل حتّى رفض مجرّد إلقاء التحيّة على الرئيس المنتخَب.
صحيح أنّ جنرالات تركيا لم يلجأوا، كما فعلوا في عام 1998 مع حكومة نجم الدين أربكان، إلى حركة انقلابية مكشوفة تطيح الحكّام الجدد، لأسباب متعدّدة، بينها شعبية «العدالة والتنمية»، وعدم عرقلة المسيرة الأوروبية، ومعهما الرغبة الأميركية في جعل حكم هذا الحزب «المعتدل» نموذجاً للبلاد الإسلامية الأخرى. لكن هذا لا يعني أنّهم ارتضوا الواقع،
ولعلّ افتعال الأزمة الأخيرة مع حزب العمّال الكردستاني تُعدّ آخر حلقة من محاولاتهم محاصرة حكومة أردوغان، ودفعها إلى «شرك» بإحياء شوفينيّة تركيّة تحوّل مزاج الرأي العام في اتجاه الأحزاب القومية في البلاد، وعبر اللعب على وتر «ردّ الاعتبار لكرامة تركيا» و«القضاء على الإرهاب»، وخاصة أن حكومة أردوغان فتحت، منذ وصولها إلى الحكم، قنوات جديدة مع أكراد البلاد، عبر الاستجابة لبعض مطالبهم الثقافية والإفراج عن نوّابهم المسجونين.
شرك لا بدّ من أنّ أردوغان كان يتوقّعه، أو على الأقلّ كان يعلم أنّ وصول حزبه إلى سدّة الرئاسة سيُجفل العسكر. هذا ما ظهر جلياً عندما تراجع عن خططه بالترشّح بنفسه إلى منصب رئاسة الجمهورية.
لكن الرياح جرت بما لا تشتهيه سفن أردوغان، إذ قرّر ساعده الأيمن عبد الله غول خوض هذه المغامرة. قرار أخرج إلى العلن منافسة مزمنة، تأخذ في بعض الأحيان شكل صراع، بين الرجلين، ظهرت ملامحه الأولى في عام 2003 عندما أيّد غول سحب قانون العقوبات الجزائي لتسريع دخول النادي الأوروبي فيما عارضه أردوغان.
وبحسب العديد من الصحافيّين الأتراك، فإنّ أردوغان كان يُدرك، منذ سنوات، أنّ غول يطمح إلى الرئاسة، وأنه سيكون رئيساً قويّاً، وبالتالي فإنّ العلاقات بينهما لن تكون مريحة، ولهذا عمل على تطويعه منذ ذلك الحين.
والخلاف بين الرجلين يعود في الأساس إلى وضعهما داخل الحزب، بمعنى أنّه صراع على الزعامة والوجاهة، وقد انعكس في مواقفهما في قضايا متعدّدة، بينها شروط عملية الدخول إلى الاتحاد الأوروبي، واعتبار غول أنّ أردوغان يساير الجناح الإسلامي المتشدّد في حزبه أكثر من اللزوم.
وجاءت أزمة الكردستاني لتصبّ الزيت على النار الخامدة تحت الرماد. وفي غمرة التصريحات الحربيّة التي انهمرت خلال الشهر الأخير على خلفيّة الأزمة مع الكردستاني، لوحِظ أنّ مهمّة الإطفائي لنار الشارع التركي المعروف بنزعته القوميّة المتطرّفة التي تصل أحياناً حدّ الشوفينية ضدّ كلّ ما هو غير تركي، بقيت ملقاة على أكتاف أردوغان الذي لم يترك مناسبة إلّا وكان يهدّد بالخيار العسكري ليعود فيختم كلامه بالتأكيد أنّ الدبلوماسيّة تبقى صاحبة الأولويّة وأنّ الخيار العسكري بالنسبة إلى حكومته آخر الدواء... المرّ.
في هذا الوقت، خفت صوت غول الذي بقي إمّا محاصراً في قصر شنقايا تحت وطأة كاريزما أردوغان واحتلاله لواجهة الحزب والحكم، وإمّا رغبة منه في عدم الدخول بقوّة في السجال حول الكردستاني لكي لا يحترق ولكي يُبقي لنفسه مكاناً إذا تحقّق مشروع العسكر في التخلّص من أردوغان وحكومته.
في هذا الإطار، يجهد البعض لإيلاء خطوة الإفراج عن الجنود الأتراك الأسرى الثمانية عشيّة زيارة أردوغان لواشنطن، أهميّةً كبرى، وليعطوها أبعاداً داخليّة تركيّة أيضاً. فمن خلال الضغط الكبير الذي مارسته أنقرة على كل من بغداد وواشنطن ليقوما بدورهما في الضغط الحثيث على حكومة إقليم كردستان في أربيل للإفراج عن الرهائن من دون مقابل، (وهي خطوات قلّما عرفها تاريخ نضال المقاتلين الأكراد منذ عام 1984)، يعتبر أردوغان وفريقه أنّ الشارع التركي قد يهدأ. ومن خلال ذلك يقول هؤلاء للعسكر إنّ نيّة بغداد وواشنطن جادّة في مساعدتنا على القضاء على الحزب. وبعد انتهاء جولة أردوغان الأميركيّة والغربيّة، سيعود إلى أنقرة ليقول لشعبه ما مفاده أنه إذا استطعنا الإفراج عن جنودنا الأسرى قبل تعهّد بوش بمساعدتنا، فما بالكم بالنتائج التي ستهطل علينا مع البدء بتنفيذ الالتزامات؟