باريس ــ بسّام الطيارة


لا تنحصر زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى الولايات المتحدة بالملف اللبناني، الذي يقع ضمن «رزمة الملفات الأربعة» المتعلقة بقضايا منطقة الشرق الأوسط من فلسطين إلى إيران مروراً بلبنان والعراق. ولا يتابع المواطن الفرنسي الزيارة من هذا المنظور الشرق أوسطي البعيد عن اهتماماته اليومية.
يمكن القول إن الصحافة الفرنسية، التي يشغلها ساركوزي منذ وصوله إلى الإليزيه، قد خصت الزيارة بمتابعة إعلامية مكثفة تجمع بين «وهج الاحتفال الأميركي بصديق أميركا» الذي تحدث عن «إلفيس برسلي ومارتن لوثر كينغ»، وبين التشديد على أن «الرئيس ابتعد عن الأزمات الداخلية التي تنتظر عودته»، وهي كثيرة ومتعددة.
ويتفق المراقبون على أن الجمل التي «تثير الإعلام الأميركي» تظلّ من دون أي وقع على المواطن الفرنسي؛ فعنوان «لوس أنجليس تايمز» حول «حب ساركوزي لأميركا» أو التشديد على دعوة بوش ساركوزي إلى عشاء في البيت الأبيض أو إلى خطاب في الكونغرس «صيغ خصيصاً لإثارة إعجاب الأميركيين الذين يعرفون جيداً تراجع شعبية أميركا في العالم»، كما ذكرت صحيفة «لوموند»، ليست من الإشارات التي تحرّك الرأي العام الفرنسي أو تعطي دفعاً لشعبيته. ذلك أن «القطيعة العاطفية» بين فرنسا والإدارة الأميركية هي أوسع من أن تردمها بعض الومضات الإعلامية.
أما صحيفة «ليبراسيون» فقد شددت على أن إعلان ساركوزي إعجابه بأميركا ودعم بوش يأتي في «مرحلة ما بعد بوش» وانحسار التأييد الشعبي له والتململ الشعبي الأميركي من «أكاذيب إدارته وتلاعبها بالرأي العام».
أما مجلة «إكسبانسيون» الاقتصادية فقد أشارت إلى رغبة بوش «الضعيف والمتواضع» في إظهار «وجود حليف أوروبي قوي»، إلا أنها دعت ساركوزي إلى الالتفات للوضع الداخلي، محذّرة من أن شهر تشرين الثاني يمكن أن يكون «كابوساً بسبب الإضرابات» التي تستعدّ لإعلانها النقابات العمالية.
ورغم ادعاء ساركوزي أمام الأميركيين بأن «الخلاف بسبب العراق بات وراءنا»، وتسريبات بعض المقربين من الإليزيه بأن «(الرئيس السابق) جاك شيراك تسبّب بأخطر أزمة» بين واشنطن وباريس، فإن عدداً كبيراً من الفرنسيين لا يشاركونه الرأي، وخصوصاً حين يرون أن أميركا تبتعد عن رئيسها بسبب هذه الحرب، رغم اتهام الأوساط المقربة من ساركوزي الصحافة الفرنسية بأنها «مصابة بعصاب نفسي في معاداة أميركا».
إلا أن «أعصاب ساركوزي»، كانت ولا تزال مادة دسمة للإعلام الفرنسي، وخصوصاً بعدما بثت قناة «سي بي إس» الأميركية مقطعاً لمقابلة له قبل وصوله إلى واشنطن ظهر فيها وهو في قمة العصبية ولم يتردد في نعت الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية دايفيد مارتينو بأنه «غبي» قبل أن يخلع الميكروفون ويضع حداً للمقابلة التلفزيونية.
وقد حملت مجلة «ماريان» المعارضة همّ «أعصاب الرئيس»، ونشرت افتتاحية عنونتها: «ساركوزي فقد صوابه»، مشددة على «خروجه عن برودة أعصابه» في مناسبات عديدة كانت الأخيرة منها «اشتباكه الكلامي» مع صيادين مضربين أمام كاميرات التلفزة عشية صعوده إلى الطائرة التي حملته إلى «حلمه الأميركي». وأنهت متسائلة «هل يستطيع رجل في هذه الحال القيام بمسؤولياته؟».
يعرف نيكولا ساركوزي أن الصحافة الفرنسية بدأت تتململ من احتلاله «ساحة الأخبار» عبر تبوئه واجهة العمل اليومي في المجالات والحقول كلها، وقد وصل التململ إلى بعض أفراد فريقه؛ فقد أسرّ رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فييون مواربة لمدير إذاعة «أوروبا واحد»، من دون أن ينتبه لوجود كاميرا تصور، «في بعض الأحيان أودّ الاهتمام بالأمور. إن المشكلة أنه لا يريدني أن أذهب».