شهيرة سلوم


من خلال خبرته في التعاطي مع الإدارة الأميركية، يدرك الرئيس الباكستاني برويز مشرّف أنه حليف أساسي لواشنطن و«طفلها المدلّل»، الذي يصعب التخلّي عنه، حتى لو لم يؤدِّ المهمة الأميركية التي أوكلت إليه بعد 11 أيلول 2001 كما يجب.
ولعل هذا الإدراك ما دفع به إلى القيام بخطوته «الانقلابية» الأخيرة، التي باشر من خلالها في حملة لتصفية معارضيه، بعدما فرض «حالة طوارئ»، أربكت واشنطن، التي سارعت إلى إدانتها، ملوّحة بخفض المساعدات الأميركية إلى إسلام أباد، ولكن من دون أن تنسى تأكيد «صداقتها» لجنرال باكستان.
إرباك له الكثير مما يبرره؛ فالولايات المتحدة قدمت لنظام مشرف نحو 10 مليارات دولار منذ عام 2001. استثمار لا يمكن أن تتخلى عنه بسهولة. وقد عبر عن ذلك مسؤول في الإدارة الأميركية بقوله أخيراً لصحيفة «نيويورك تايمز»، «عندما تكون مديناً لمصرف بمليون دولار فإن لديك مشكلة. أما إذا كنت مديناً لمصرف بمئة مليون دولار فإن لدى المصرف مشكلة».
كما أن مشرف نفسه دفع بالتحالف مع الولايات المتحدة في حربها المعلنة على الإرهاب إلى أبعد مما تتحمله المؤسسة العسكرية الباكستانية، صاحبة اليد الطولى في البلاد. فهو من أدخل باكستان في المعركة الأميركية ضد الطالبان وتنظيم «القاعدة» رغماً عن جنرالاتها الذين رعوا نشأة هذين التنظيمين ودعموهما على مدى عقود.
يُضاف إلى ذلك خشية الولايات المتحدة من أن تؤدي زيادة الضغط على مشرف إلى سقوطه ودخول البلاد في فوضى أو تولّي المتشددين الإسلاميين الحكم في البلاد، التي تمتلك ترسانة نووية.
خشية دفعت الإدارة الأميركية، التي تدرك بأن نظام الجنرال الباكستاني فقد الكثير من شعبيته منذ تعليقه عمل رئيس المحكمة العليا افتكار تشودري عن العمل في 9 آذار الماضي، إلى الضغط باتجاه عودة رئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتو إلى بلادها، وتقاسم السلطة بينها وبين مشرف. عودة أرادت واشنطن من خلالها، على ما يبدو، تأمين غطاء شعبي للرئيس الباكستاني، وإضفاء مشروعية على نظامه بعد تخليه عن زيّه العسكري، وفي الوقت نفسه ضمان استمرار التزام إسلام أباد في حربها على الإرهاب، وتعزيزه. هدفان تحققهما شعبية بوتو المرتفعة، وتأكيدها المتواصل بأنّ «أولوياتها ستكون ملاحقة الأصوليين واستئصالهم من البلاد»، والذي بلغ حدّ قبولها «عمل أميركي أحادي» داخل الأراضي الباكستانية.
لكن حسابات العم سام يبدو أنها لم تتوافق مع حسابات مشرّف ولا مع حسابات المؤسسة العسكرية، التي تعاديها بوتو نفسها. بل إنها لم تتوافق حتى مع حسابات الإسلاميين الذين استقبلوا رئيسة الوزراء السابقة بتفجير انتحاري أوقع أكثر من 140 قتيلاً، بعد تهديدات عديدة بقتلها.
وهكذا، استغل مشرف نقمة جنرالات الجيش والإسلاميين وعجز واشنطن عن فك ارتباطها به، للانتفاض على محاولات دمقرطة الداخل ودفعه إلى تصعيد حربه ضد المتشددين، عبر العودة إلى حضن العسكر وتصفية المعارضة الليبرالية... حتى لو غرقت البلاد في الفوضى.