حسام كنفاني


عادت روسيا البوتينية إلى الشرق الأوسط، بعد عقود على الخروج السوفياتي منه، من بوابات عديدة، بينها الصراع العربي ــ الإسرائيلي وسوريا وإيران

تفرض موسكو نفسها اليوم بقوة على ساحة الشرق الأوسط كأحد مفاتيح الحل في الأزمات المتعدّدة للمنطقة، بدءاً من الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي، مروراً بلبنان ووصولاً إلى العراق وإيران، لتعويض فترة غياب قسرية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ودخول الوريث الروسي في فترة الركود السياسية والاقتصادية منذ بداية تسعينات القرن الماضي.
والعودة الروسية قد تكون أحد ملامح السياسة «البوتينية»، المنسوبة إلى الرئيس فلاديمير بوتين، الذي يضع نصب عينيه إعادة الاعتبار للدور السوفياتي في العالم عبر الواجهة الروسية، ولا سيما أن تغييرات جوهرية طرأت على الداخل الروسي اقتصادياً وسياسياً تسمح بالانتفاض على حال التقوقع التي عاشتها موسكو في الفترة الماضية على هامش أزمات العالم.
الصعود الروسي على مسرح الأحداث العالمي كان سريعاً خلال السنوات القليلة الماضية، مترافقاً مع ظهور تأثيرات الغاز الروسية في سياسة الطاقة الأوروبية، لجهة سيطرتها على صادرات غاز التدفئة إلى القارة القديمة وطفرة الصناعات العسكرية الروسية، التي أثبتت فعاليتها خلال عدوان تموز قبل الماضي على لبنان، إضافة إلى إحداثه شبه توازن قوى بين الترسانتين السورية والإسرائيلية، ما مثّل موطئ قدم عسكرياً لموسكو في الشرق الأوسط، توّج بالحديث أخيراً عن استعدادات روسية لوجود عسكري في البحر المتوسط، صنّف تحدياً مباشراً للأسطول السادس الأميركي. وعلقت عليها الصحف الإسرائيلية بالقول إن إسرائيل والولايات المتحدة «ما عادتا حرتين في الاعتداء من البحر على سوريا أو لبنان، فالوجود الروسي له هدف، ولن يكون في موقف المتفرّج في أي حرب إقليمية».
بعد التمدّد العسكري في الشرق الأوسط، كان لا بد من دور سياسي موازٍ، ولا سيما أن موسكو بقيت طوال فترة تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة في موقف المتفرج من العملية السلمية، التي كانت حكراً على الإدارة الأميركية، رغم إدراج اسم روسيا ضمن راعيي عمليات السلام ومشاركتها في اللجنة الرباعية الدولية.
واستفادت موسكو من الورطة الأميركية في العراق لاقتناص دورها في المنطقة، ولا سيما مع الصعود الإيراني، الذي لم تكن موسكو بعيدة عنه، وهو ما جعل من روسيا لاعباً محورياً في الأزمة العراقية، التي دفعت تعقيدها الولايات المتحدة إلى البحث عن «نجاح» في نافذة الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي عبر الدعوة إلى المؤتمر الدولي للسلام في أنابوليس.
لكن هذه النافذة أخذت تضيق بشكل متسارع، ما فتح مدخلاً جديداً للدور الروسي عبر البوابة السورية، التي قد يكون إشراكها في المسيرة السلمية آخر الخيارات الأميركية لمحاولة تسجيل إنجاز في نهاية عهد الرئيس الأميركي جورج بوش. ومن المؤكد أن الدور الروسي في هذا المجال والترويج لمؤتمر مكمّل، غير بعيدين عن الرغبة الأميركية، ولا سيما أن سياسة العصا المستخدمة مع سوريا منذ بداية عهد بوش لم تؤت نفعاً بل زادت الأمور تعقيداً، والتجربة اليوم هي للجزرة الروسية.
وهذه «الجزرة»، في حال نجاحها، هي مقدمة لتوسيع الدور الروسي في المنطقة، وخصوصاً أن الأزمة الإيرانية أيضاً تصل مع إدارة بوش إلى طريق مسدود، وبالتالي فدور روسيا في الترويج لتسوية جديدة قد لا يكون بعيداً أيضاً، وخصوصاً أن بوتين كان قد لمّح في أكثر من مناسبة إلى ضرورة تجربة النموذج الكوري الشمالي مع إيران بدل «التلويح بالشفرة في كل الاتجاهات».
والدور الروسي الحالي، وإن كان مساعداً للإدارة الأميركية، إلا أنه يحقّق مصالح استراتيجية بعيدة الأمد لموسكو، إذ يؤمّن لها أوّلاً وجوداً سياسياً ضاغطاً في الشرق الأوسط على حساب الإدارة الأميركية، ويفتح أمامها أسواقاً اقتصادية جديدة في إطار مصلحتها الاستراتيجية في إنهاك الولايات المتحدة في المنطقة المتجهة إلى الطاقة النووية السلمية، التي تمثّل مع الصناعات العسكرية المدخل الأساسي للتغلغل الروسي.
ولموسكو أيضاً مصلحة في استقرار الشرق الأوسط، الذي يعدّ خاصرة الجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى والقوقاز، التي تعدّ امتداداً حيوياً للدولة الروسية، وخط الدفاع الأول في مواجهة أي اعتداء عليها، ولا سيما في ظل تنامي حركات التطرّف الإسلامي في الشرق الأوسط، والرابط الإسلامي بين دول آسيا الوسطى والقوقاز ودول المنطقة، الذي عانت منه موسكو ولا تزال في الشيشان.