أرنست خوري


فجأة، تقرّر ذاكرة جماعيّة أن تحاكم تاريخها. كمبوديا تحاكم نفسها. إنها حالة فريدة في التاريخ حيث ارتُكبت إبادة جماعيّة ذاتيّة (AUTOGENOCIDE)، أودت بحياة ربع سكّان هذه الدولة جنوب شرق آسيا، أي نحو 1.5 مليون بشري. حصل ذلك في 4 سنوات، بين 1975 و1979.
نادرٌ إيجادُ مدافع عن نظام الخمير الحمر، أو شيوعيّي كمبوديا، الذين مهروا سلوكهم الدموي بوصفات «شيوعيّة» لا يدري كُثر من أين أتوا بها، تماماً كما فعل نظام «الملك الإله» كيم إيل سونغ ونجله كيم جونغ إيل في كوريا الشماليّة. وكوريا الشمالية، للتذكير، تكاد تنهال عليها اليوم الإشادات من «المجتمع الدولي» على خلفيّة تخلّيها عن برنامجها النووي، ونيلها «صكّ براءة» هو أشبه بجواز سفر دبلوماسي بدرجة «أشخاص مهمّين للغاية»: vip!
سبقت محاكمة رموز نظام «الأخ رقم واحد» بول بوت في العاصمة بنوم بنه، وفاة قائد الطائرة الأميركية (29 B) بول تيبيتس، في الأوّل من الشهر الجاري، وهو الذي ألقى القنبلة الذرية على هيروشيما في 6 آب 1945.
كادت تخجل وكالات الأنباء العالميّة من وصف الرجل بما هو عليه: رجل تفنّن بتسمية القنبلة الذرية، فأطلق عليها اسم «الولد الصغير» في لغة الشيفرة العسكرية الأميركيّة. أمّا القنبلة الثانية التي قتلت سكّان ناكازاكي، فسُمّيَت «الولد السمين». وراح ضحيّة القنبلتين أكثر من 200000 ياباني، فضلاً عن عشرات آلاف المشوَّهين والمرضى والمعوَّقين.
بين محاكمة كاينج جوك ايف، مسؤول التحقيقات والاستجوابات في نظام بول بوت، إلى جانب المسؤولين الآخرين، والمكافأة التي نالها تيبيتس على فعلته النووية، مفارقة لا يمكن تفسيرها. فبعد تقاعُد تيبيتس من القوّات الجوية الأميركية في 1966، كوفئ بتعيينه ملحقاً عسكرياً في السفارة الأميركيّة في الهند. وترك تيبيتس للبشرية بعد موته ذخراً؛ فحفيده الرابع بول دبليو تيبيتس هو اليوم قائد مجموعة المقاتلات «B2» في الجيش الأميركي منذ 2006. مسؤولية تيبيتس عن مجزرة هيروشيما أخلاقيّة. أمّا المسؤولية السياسيّة فيُسأل عنها الرئيس هاري ترومان.
يُروى عن لسان صحافيّة أميركية سألت ترومان بعد خروجه من البيت الأبيض، عن أكثر شيء عذّبه في حياته، في انتظار نيل شبه اعتذار عن مسؤولية قتل عشرات آلاف اليابانيّين. لكنّ عيني الرئيس السابق لم تدمع إلا لتذكّره كم عانى عندما أدرك أنّ زوجته بيس والاس مُصابة بورم سرطاني.