باريس ـ الأخبار


لا بدّ أنّ الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك يتأمّل مليّاً هذه الأيّام في مقولة نابوليون الشهيرة: «إنّني لا أخاف إلّا من ربّي ومن قاضي التحقيق». وبالفعل، بعد أكثر من ٤٠ عاماً من العمل العام، «سقط» شيراك أمام قاضية التحقيق التي وجّهت إليه تهمة «اختلاس أموال عامّة» في قضيّة الوظائف الوهميّة في بلديّة باريس.
وكان قاضي تحقيق سابق قد انتقل إلى المكتب الخاص لشيراك فور سقوط الحصانة عنه بعد شهر من خروجه من الإليزيه للاستماع لدفوعه في هذه القضيّة. إلا أنّ القاضية كزافيير سيموني رفضت «التنازل عن حقّها في استدعاء شيراك كفرد عادي يمكن مقاضاته» في المحكمة، وبالتالي توفير مشقّة المواجهة في مكتبها.
وهذه هي المرّة الأولى في تاريخ فرنسا التي توجَّه فيها تهمة إلى رئيس سابق يمكن أن تقوده إلى المحكمة. وتعود القضيّة إلى سنوات حكم شيراك في بلدية باريس، حيث عيّن عدداً كبيراً من الموظّفين في مناصب «وهميّة» لمقرَّبين منه.
وبحسب تصريحات محامي شيراك، جان فيل، فإنّ استجواب الرئيس السابق جرى في «أفضل الأجواء»، رغم أنه دام ثلاث ساعات.
ويبدو أنّ شيراك كان على علم بما ينتظره في مكتب القاضي، فأجرى مقابلة مع صحيفة «لوموند» قبل ٢٤ ساعة من توجيه التهمة إليه، اعترف خلالها بأنه «رغب أو سمح» بحصول ما أكّدته الاتهامات، أي «تعيين مستشارين بين الثمانينات والتسعينيات»، مبرّراً ذلك بأنّه كان تصرّفاً شرعيّاً آنذاك.
ورأى الرئيس الديغولي السابق أنّ تلك التوظيفات كانت «ضرورية وفي وقتها»، مشيراً إلى أنّ المجلس البلدي كان يوافق دائماً عليها.
ومن المنتظَر أن يصبر شيراك قليلاً حتى تمرّ العاصفة التي ترافق توجيه التهم ضدّه، ليردّ عليها إمّا بمؤتمر صحافي، أو بمقابلة كبيرة في الصحافة المكتوبة أو عبر شاشات تلفزيون حكوميّة. إلّا أنّ هذا لا يمنع ضرورة تحضير دفوعاته للقاضية التي تنتظره خلال شهور قبل اتخاذ قرارات جديدة في القضية.
ويضع هذا الملفّ القضائي مؤسّسات الدولة في وضعية حرجة، إذ إنّ شيراك عضو في المجلس الدستوري بحكم كونه رئيساً سابقاً، وبالتالي فهو «أحد الحكماء» الاثني عشر الذين يقرّرون دستورية القوانين وينظرون في تطابق الأحكام القضائية مع بنود الدستور. ومن هنا، يشكّك كثيرون في أن يواظب شيراك على حضور جلسات المجلس بانتظار جلاء غيوم الاتهامات من سماء مستقبله.