معمر عطوي


بعيداً عن طبيعة المحادثات التي أجراها الرئيس الباكستاني برويز مشرف في السعودية خلال اليومين الماضيين، لا بد من الإشارة إلى الدلالات الشكلية لهذه الزيارة، في هذا الوقت الذي تشهد فيه باكستان اضطرابات غير مسبوقة؛ فمغادرة الجنرال ـــــ الذي قلّ أصدقاؤه وكثر أعداؤه ـــــ تؤكد قدرة المؤسسة العسكرية على الإمساك بالوضع القائم في البلاد.
لا شك أن ما يعزّز هذه الصورة، نجاح مشرّف في ترتيب البيت الداخلي، بدءاً من إطلاق 3400 سجين سياسي وصولاً إلى استقالته المحتملة من قيادة الجيش قبل أن يقسم اليمين لولاية رئاسية جديدة نهاية الأسبوع الجاري.
لقد تخطَّى مشرّف عوائق عديدة كان من الممكن أن تقف حجر عثرة أمام طموحاته السلطوية، بدأت بالتخلّص من سلفه الرئيس السابق نوّاز شريف، الذي عاد من المنفى إلى المنفى على وجه السرعة، وانتهت بخصومة لا رجعة عنها مع رئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتو، مروراً طبعاً بإسقاط الطعون التي رفعتها المعارضة ضد إعادة انتخابه رئيساً للبلاد.
ساعدته على ذلك رغبة أميركية بدت واضحة بإبقاء جنرال باكستان في السلطة. رغبة عبَّر عنها الرئيس جورج بوش، من خلال اعتبار مشرّف «رجل يؤمن بالديموقراطية» رغم بقاء نحو ألفي معارض سياسي رهن الاعتقال. وكرّستها السعودية، بدورها، حرصاً على عدم انتقال البرنامج النووي الباكستاني ـــــ الذي ساهمت الرياض الى حد كبير في إنشائه ــــــ الى أيدي المعارضين الإسلاميين الأكثر حظوظاً في تسلّم السلطة.
طبعاً هذا الخوف لم يكن طارئاً، إذ إن الإدارة الأميركية كانت تدفع إلى تحالف ثلاثي (مشرف ـــــ شريف ـــــ بوتو) في وجه التيار الإسلامي الذي يسيطر على العديد من المجالس والحكومات المحلية. تحالف كان ضرورياً في مرحلة وصل فيها النزاع بين الجنرال والملالي إلى نقطة اللاعودة، منذ عزل رئيس القضاة افتخار تشودري وأحداث المسجد الأحمر الدموية في الصيف الماضي.
أمام ما تمّ الإعلان عنه حول محادثات مشرّف مع المسؤولين السعوديين ولقائه رئيس الاستخبارات الأمير مقرن بن عبد العزيز، لا يمكن حصر مغزى هذه الزيارة في الجانب السياسي، والحديث فقط عن «تمنيّات» الجنرال على السلطات السعودية الضغط على شريف للحؤول دون عودته الى البلاد. بل لا بد من ملاحظة الجانب الأمني، هنا، إذ إن العنوان العريض للزيارة هو «اتخاذ تدابير مشتركة لمحاربة التطرف والإرهاب».
لكن هذا لا ينفي وجود رغبة سعودية في إجراء تسوية بين شريف ومشرف، رغم رفض الأول لقاء الثاني، إذ إن تحالفاً كهذا يمكن أن يمتصّ بعض غضب الإسلاميين الأقرب الى شريف من مشرف، وبالتالي، يسهم في عزل بوتو، ويضمن بقاء باكستان في قبضة الجنرال العنيد.