strong>تُعدّ زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى روسيا، واحدة من أصعب جولاته الخارجية حتى الآن، في ظلّ الخلافات بين موسكو وباريس بشأن البرنامج النووي الإيراني وكوسوفو وإمدادات الطاقة الروسية إلى أوروبا وحقوق الإنسان


فيما تنتظر طهران الأسبوع المقبل زيارة تاريخّية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمشاركة في قمّة الدول المطلّة على بحر قزوين، لا يزال الغرب يسعى إلى فرض عقوبات إضافيّة على الجمهوريّة الإسلاميّة. وزيارة نيكولا ساركوزي إلى موسكو، التي بدأت أوّل من أمس وتستمرّ يومين، تأتي في هذا السياق.
غير أنّ سيّد الكرملين، وبعد لقاء نظيره الفرنسي، أعرب عن استعداده «لمواصلة التعاون» مع المجتمع الدولي في الملف الإيراني، وضرورة «الشفافيّة فيه»، من «مبدأ أنّ إيران لا تملك خططاً» لإنتاج أسلحة نوويّة عبر تخصيب اليورانيوم. وتباين هذا الموقف مع التفاؤل الحذر الذي أبداه ساركوزي، حين تحدّث عن «تطابق» بين بلديهما بشأن الموضوع الإيراني. وقال إنّه «قد يكون ثمّة اختلاف في التحليل حول القنبلة، هل يصنعها (الإيرانيّون)؟، هل سيستخدمونها؟، المهم هي إرادة التعاون».
وفي هذا السياق، نقلت وكالات الأنباء الروسيّة عن وزير الخارجيّة سيرغي لافروف، تحذيره من أنّ القيام بتحرّك متعجّل بشأن البرنامج النووي الإيراني، قبل أن تكمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية عملها سيكون «تحركاً غير مسؤول»، وهو ما يتضارب بشكل صارخ مع دعوة الجانب الفرنسي إلى فرض عقوبات مباشرة على النظام الإيراني، وقد بدأت بالإيعاز لشركاتها بوقف عملها في إيران.
الرئيس الفرنسي تطرّق، خلال المؤتمر الصحافي مع بوتين، إلى أنّ «فرنسا لا ترغب في إعطاء دروس لأحد» بشأن حقوق الإنسان، وذلك قبل لقائه مسؤولين في منظمة «ميموريال» غير الحكومية. وقال: «أعترف بالخصوصية الروسية وأتفهّمها». وفي حديثه أمام الصحافيين في السفارة الفرنسية صباح أمس، قال إنّه تعهّد بإجراء تغييرات «لم تشهدها فرنسا منذ عام 1958»، وأنّه مستعد لإقامة «شراكة» تتّسم «بالصدق» و«الثقة» مع روسيا.
موضوع «الشراكة الاستراتيجيّة» أثاره ساركوزي خلال كلمته أمام طلبة جامعة «باومان» الهندسية، التي ردّ فيها على الاتهامات بتأييده لمواقف واشنطن، مشدّداً على أنّه «صديق للولايات المتحدة وليس تابعاً لها»، لأنّه «لا يمكن أن يوجَّه العالم من دولة واحدة حالياً».
وفي تلميح إلى استعادة روسيا مكانتها على الساحة الدولية، قال ساركوزي للطلّاب: «لقد عدتم كباراً مجدداً، لذا كونوا عامل سلام وكونوا نموذجيين، وأقيموا مجتمعاً روسياً ديموقراطياً، وسيكون العالم ممتناً لكم».
وأعرب ساركوزي عن أمله في ألّا يكون ونظيره الروسي «منافسَين بعد اليوم بل شريكين، وآمل أن نصبح شريكين استراتيجيين في مجالي الطاقة وبناء الطائرات». كما أشار إلى إمكان إقامة علاقات شراكة في مجال الطاقة الذرية، وخصوصاً في ما يتعلّق بتطوير أجيال جديدة من المحطات الكهروذرية.
وفي الشقّ الاقتصادي، أشار ساركوزي إلى أنّه «لن تكون هناك سياسة متشدّدة من جانب فرنسا» تجاه دخول رؤوس الأموال الروسية إلى المؤسّسات الفرنسية، وأعرب عن «استعداد المستثمرين الفرنسيّين لأخذ حصة» من رأس مال شركة «غازبروم»، المحتكرة لإنتاج الغاز الروسي، مشيراً إلى أنّ «أصدقاءنا الروس» يملكون حصّة في رأس مال المجموعة الأوروبية للصناعات الجوية والدفاعية، «إي أي دي أس».
وعن موضوع كوسوفو، الذي تنتهي محاثات الـ«ترويكا» الأوروبيّة ـــــ الروسيّة ـــــ الأميركيّة في شأن مصيره في 10 كانون الأوّل المقبل، شدّد ساركوزي على أنّه «من المهم جداً أن تبقى أوروبا موحّدة» بشأن ملف الإقليم الصربي، الذي هو «قبل كل شيء قضية أوروبية»، معرباً عن الأمل في التوصّل إلى «حلّ لا ينطوي على إهانة لأحد».
وفي هذا الوقت، حذّر سفير روسيا لدى الأمم المتّحدة، فيتالي تشوركين، من أنّ إعلان كوسوفو استقلاله من جانب واحد لن يكون «مقبولاً»، وذلك بعد تقرير الموفد الخاصّ للمنظّمة الدوليّة، خواكيم راكر، أمام مجلس الأمن عن الوضع في الإقليم.
على صعيد آخر، قال مدير دائرة الأمن الفدرالية الروسية، نيكولاي باتروشيف، إنّ الأجهزة الروسية كشفت خلال السنوات الأربع الأخيرة أكثر من 300 جاسوس أجنبي. واتّهم الولايات المتّحدة وبريطانيا باستخدامها الناشط لاستخبارات بولندا وجورجيا وبلدان البلطيق للعمل ضد روسيا. ونقلت وكالة الأنباء الروسية «نوفوستي» عنه قوله إنّ «الأجهزة الخاصّة الروسية تمكّنت منذ عام 2003 من كشف أكثر من 270 جاسوساً أجنبياً محترفاً، و70 عميلاً لاستخبارات أجنبية، من بينهم 35 مواطناً روسياً»، مشيراً إلى أنّ «وكالة الاستخبارات المركزية (الأميركية، «سي آي إيه») والجهاز السرّي للاستخبارات (البريطانية، «أم آي ـــــ 6») يواصلان حثّ شركائهما في بولندا وجورجيا وبلدان البلطيق وغيرها على العمل في الاتجاه الروسي»، منبّهاً إلى أنّ بريطانيا «لا تمارس استخباراتها التجسّس على كل الاتجاهات فحسب، بل وتسعى للتأثير على تطوّرات الوضع السياسي الداخلي في روسيا».
وفي سياق مختلف، من المنتظر وصول وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، ووزير الدفاع روبرت غيتس إلى موسكو غداً في زيارة تستمرّ يومين، لبحث قضيّة الدرع المضادّة للصواريخ، التي تريد واشنطن نشرها في تشيكيا وبولندا، لمواجهة التهديد المتزايد لصواريخ الدول المارقة.
(أ ب، رويترز، يو بي آي)