حسن شقراني


يوم الأحد الماضي لم يكن عادياً في الكرملين، فقد صادف عيد مولد الرئيس. «الحلفاء» السياسيّون كانوا حاضرين احتفال بلوغ فلاديمير بوتين 55 عاماً، بعد نحو أسبوع من إعلانه ترؤس كتلة «روسيا الموحّدة» في انتخابات الـ «دوما» في كانون الأوّل المقبل.
بين الحضور كان رئيس الوزراء المعيّن حديثاً، فيكتور زوبكوف، وسلفه، ميخائيل فرادكوف، الذي تولّى رئاسة الاستخبارات الخارجيّة «أس في آر»، ورئيس مجلس الشيوخ، سيرغي ميرونوف، والمتحدّث باسم الـ«دوما»، بوريس غريزلوف، إلى جانب العديد من القياديّين السياسيّين وضبّاط الجيش والاستخبارات. والاحتفال خصصه بوتين لتكريم «شجاعة ضبّاطنا وبطولة جنودنا»، الذين احتضن الكرملين أيضاً عائلات القتلى منهم، وخصوصاً في القوقاز.
الأمور لم تكن أفضل لوريث بوريس يلتسن ومنتشل روسيا من فكّ الرأسماليّة الهمجيّة. ففي الخارج، الشوارع احتضنت نحو 10 آلاف عضو في منظّمة «ناشي» الموالية للكرملين احتفالاً بعيد القائد. والاستطلاعات تفيد يوماً بعد يوم بزيادة في التأييد لـ«روسيا الموحّدة» (وصلت نسبته أوّل من أمس إلى 54 في المئة). ليس هناك ما يعكّر صفو الأجواء في موسكو في ظلّ لعبة الالتفاف على الحكم، التي نسّق إحداثيّاتها بوتين، بحيث يبقى ممسكاً بمفاتيح التحكّم بعد نهاية ولايته الثانية في آذار المقبل، وإن على حساب الطبيعة الرئاسيّة للنظام.
لكن هل يحدث «غير المتوقّع» وتهتزّ أسس الحكم ليتشكّل تشقّق قد لا يؤمّن لبوتين ولاية ثالثة عام 2012؟
تحديد قوّة النظام في موسكو يقوم على تحديد النخبة القائدة. فبعد تنحّي يلتسين في نهاية عام 1999 عيّن بوتين في المراكز الرسميّة الحسّاسة «زملاء» سابقين. رجال موثوق بولائهم أحكموا السيطرة على قطاعات الصناعات الثقيلة، الأسلحة، الطاقة. «الزمالة» احتضنها جهاز الاستخبارات السوفياتي السابق «كي جي بي»، الذي تحوّل إلى جهاز الأمن الفيديرالي «أف أس بي». لذا يلاحظ تولّي سيرغي إيفانوف (الجاسوس السابق في اسكاندينافيا) منصب نائب رئيس الوزراء ورئاسة «غازبروم»، فيكتور إيفانوف منصب مستشار في إدارة بوتين، وسيرغي تشيمزوف رئاسة الشركة الوطنية المصدّرة للأسلحة «روزونبرو إكربوست»، والأخيران عضوان سابقان في وكالة الاستخبارات. وإضافة إلى المذكورين، هناك مجموعة من المسؤولين الحاليين كانوا ضباطاً في الاستخبارات الروسيّة، معروفين أو عملهم السابق لا يزال سرّاً كالمعتاد.
«تشيكستي»، الاختصار في الروسيّّة لـ «كريزفيتشينايا كوميسييا» أو «اللجنة الخارقة»، هي التسمية لمجتمع النخبة المذكور، حذّر رئيس جهاز مكافحة المخدّرات، الحليف لبوتين، فيكتور تشيركيسوف، من خطر يهدّدها، يشكّله «أعضاء مشغولون بتحصيل الأموال لا بحماية روسيا».
تعليق تشيركيسوف، الذي يحوي أيضاً مقولة «لا يمكنك أن تكون محارباً وتاجراً في الوقت نفسه»، على «التحوّلات» التي قد تُفقد اللجنة طبيعتها «الخارقة»، أساسه قيام جهاز الـ«أف أس بي» باعتقال عناصر من دائرة مكافحة المخدّرات على قاعدة تلقّيهم رشوة وتنصّت غير شرعي، حسبما أوضح في رسالة مفتوحة نشرتها صحيفة «كومرسانت» أوّل من أمس.
والأخطر أنّ تشيركيسوف، وهو أيضاً ضابط سابق في الـ«كي جي بي»، أشار إلى التقارير الصحافيّة التي تتحدّث منذ فترة عن «حرب مجموعات» في «تشيكستي»، معترفاً بأنّ الصراع موجود، ولم يعد مجدياً سوى التشديد على أنّه لا يمكن أن يكون فيه منتصر، ونتيجته الوحيدة هي «انهيار المؤسّسة».
حتّى الآن استطاع بوتين تذليل العقبات أمام تطوّر النظام وعودته إلى الساحة الدوليّة، أكان ذلك على صهوة ارتفاع أسعار الموارد الطبيعيّة، أم بإدارة سياسيّة واقتصاديّة حكيمة لأوراسيا. فهل تبرز، في مرحلة تشهد ذروة تألّقه في قيادة روسيا، إشارات تبدّد النفحة القوميّة لدى «الحلفاء» في النظام على وقع المصالح الشخصيّة؟