باريس ــ بسّام الطيارة


أصبح تغيّر المناخ أمراً واقعاً في عالم اليوم، وبات الاحتباس الحراري من المشكلات الأكثر تعقيداً التي تواجه البشرية. ويتّفق العلماء على أن التحدي الكبير لإنسان الغد هو مواجهة ارتفاع حرارة الأرض وظاهرة التغيرات المناخية وانعكاساتها، ووجوب العمل على إيجاد «مجموعات من الحلول لمجموعات من الأسباب» التي أنهكت الطبيعة وأسهمت بتردي بيئة الكرة الأرضية


تحتل قضيّة الاحتباس الحراري حيّزاً كبيراً من اهتمام الفرنسيين بشكل عام، وكانت مع نسبة عطالة العمل، من أبرز عناوين المعركة الرئاسية لنيكولا ساركوزي، حتى إن مرشح «البيئيين» نيكولا هولو قام بنوع من «امتحان للمرشحين الرئيسين ساركوزي وسيغولين رويال» قبل أن يعلن انسحابه لتوافق الاثنين على طروحاته وغياب الخلاف على أهمية هذا الملف.
وتطبيقاً لما يحب ساركوزي أن يقال عنه من أنه «يفعل ما يقول»، فهو ما إن وصل إلى الإليزيه حتى أطلق ما سماه «الثورة الخضراء»، على شكل «قمة بين العاملين في الشؤون الصناعية والزراعية والحياتية التي تمس البيئة». وقد أراد، كعادته، أن يكون مسك ختام القمة على الطريقة الاستعراضية التي يحبها، والتي لم تتردد بعض الصحف بوصفها «استعراضاً هوليوودياً أخضر في الإليزيه»، للإفصاح عن المقررات التي تمخضت عنها، جامعاً حوله عدداً من كبار الشخصيات الدولية ذات الوزن الإعلامي مثل النائب السابق للرئيس الأميركي آل غور، الحائز جائزة نوبل للسلام، ورئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل باروزو.
ففي مجال الزراعة، تقرّر الحد من استعمال المبيدات بنسبة ٥٠ في المئة خلال فترة السنوات الأربع المقبلة للحد من تلوّث المياه الجوفية مع التوسع بمجال «الزراعة النظيفة»، بحيث ترتفع مساحتها إلى ثلاثة أضعاف. كما تقرّر تعليق زراعة المنتجات المعدّلة جينياً، أي زراعة الذرة بشكل أساسي. إلا أن المراقبين ينظرون بشك إلى إمكان تطبيق هذا البند، ليس فقط بسبب قوة الشركة الأميركية «مونسانتو» المسوقة لبذور الذرة الصناعية، بل للتناقض الحاصل بين القوانين الفرنسية والقوانين الأوروبية التي سمحت بزراعة مساحات لا بأس بها من هذا النوع من البذور.
كما أن القمة أشهرت رغبتها بحماية «التنوّع البيئي» عبر حماية الأنواع التي تتضاءل زراعتها بسبب قلّة الإقبال على استهلاكها وتشجيع إعادة زرع نباتات وخضار في طريقها إلى الزوال. كما بات على المطاعم التابعة لمؤسسات الدولة والبلديات والمدارس الرسمية والتجمعات الكبرى أن تقدّم وجبات تحوي ما لا يقل عن ٢٠ في المئة من المواد الأولية النظيفة بيئياً (أي التي لا يلجأ منتجها إلى استعمال أي مركب كيميائي في أسمدتها وحفظها).
وفي مجال النقل، فشل المجتمعون في الوصول إلى اتفاق على «ضريبة الكربون»، التي كانت مطلباً أساسياً لأنصار البيئة والتي يرون فيها أفضل طريقة لـ«معاقبة الملوثين»، إلا أن أرباب العمل رفضوا أي زيادة للضرائب، وخصوصاً أنها كانت ستطبق أيضاً على وسائل الشحن، مطالبين بأن تكون أي زيادة ضمن «سياسة ضرائبية شاملة»، ما جعل أحد المراقبين يقول: «يريدون أن يأخذوا من هناك ما سيدفعونه هنا». وقد لاقى ساركوزي أرباب العمل بتمييعه مسألة ضريبة الكربون ووعده بإنشاء «ضريبة مناخ» بالتوازي مع التخفيف الضرائبي.
أما في المجالات الأخرى مثل قطاع البناء، فقد تقرر ألا يتجاوز «استهلاك المتر المكعب في الأبنية الجديدة ٥٠ كيلو واط» مع العمل على أن تكون بحلول عام ٢٠٢٠ كل الأبنية الجديدة «متجهة للطاقة إيجابياً»، أي أن يكون انتاج الطاقة من الأبنية (طاقة شمسية أو طاقة جوفية) أكثر من الطاقة المستهلكة. إلا أن نقص الاعتمادات لتنفيذ «هذه الوعود»، التي تقدرها بعض المصادر بحدود ٨٠٠ مليار يورو فقط بالنسبة إلى تجديد الأبنية، يمكن أن يسهم بحدّ قوة هذه المقررات.
إلا أن ساركوزي، الذي بدا منشرحاً لتنفيذ وعده الانتخابي، يدرك تماماً حدود قدرة تنفيذ هذه القرارات. والعقبات التي يمكن أن تعترضها لها أوجه عديدة، لكونها ترتبط بكمّ من المسائل المؤثرة سياسياً واقتصادياً؛ فالحد من استعمال المبيدات في الزراعة سينعكس مباشرة على القدرة الإنتاجية الزراعية لفرنسا، التي تجعل منها «القوة الزراعية الثانية في العالم» بعد الولايات المتحدة. ولا تأتي المعارضة فقط من اللوبي الزراعي الفرنسي القوي، بل أيضاً من الدول الأوروبية الأخرى التي تعارض بشدة كل حد لـ«الإنتاجية المكثفة».
ومن المعروف أن هذه الإنتاجية العالية تمنع الدول الفقيرة العاجزة عن الاستثمار في مجال المبيدات والإنتاج الزراعي الصناعي عن منافسة الدول المتقدمة، ما يجعل إنتاجها الزراعي غير مجدٍ اقتصادياً ويجعلها مرتهنة ومجبرة على فتح أسواقها لتأمين تموينها الغذائي. كما أن التشديد على الطاقات الجديدة له معارضون من آفاق عديدة، منها الدول المصدرة للنفط التي ترى في «ضريبة الكربون» تهديداً لها، إذ إنه يشجع على العمل على تنشيط البحوث حول «طاقة بديلة» ويهدد استثماراتها الثقيلة في حقول النفط والغاز.
كما أن المعارضة تأتي أيضاً من الصناعة الفرنسية للنووي المدني، التي تحتل المرتبة الأولى في العالم لتصدير المفاعلات النووية. ويلاحظ أحد المراقبين أن ساركوزي لا يكف، منذ وصوله إلى الحكم، عن «تشجيع الدول النامية على التزود بمفاعل للطاقة النووية»، وكان آخرها تصريحه في مراكش الثلاثاء الماضي.
ويرى مراقبون في توجه الرئيس الفرنسي مقاربتين متناقضتين؛ فهو يواجه لوبيات النفط ويشجع الصناعة الفرنسية الرائدة في هذا المجال، وقد يلقى تصفيقاً من الرأي العام الفرنسي، إلا أنه من جهة أخرى يضع بتشجيعه هذا عقبات أمام تطوير الطاقات البديلة التي من المفترض أن تواجه الطاقة النفطية. إلا أن هؤلاء المراقبين يتفقون على أن التناقضات جزء من توجهات ساركوزي بشكل عام.