بوينس آيرس ــ بول الأشقر


يا لها من حملة غريبة في بلد التانغو، لخلافة الرئيس نستور كيرشنير، في بلد عرف في القارة بتسيُّسه الحزبي وأنقسام الآراء في أي موضوع كبير أو صغير واحتداد النفوس وتعصّبها. تبدو الانتخابات الرئاسية ـــــ فقط ـــــ هذه المرة، كأنها تجري في غير الأرجنتين. أو يا ترى تغيّرت الأرجنتين؟
من الأكيد على الأقل أنها تحسنت بعدما وصلت على حافة الهاوية وانهار اقتصادها وكاد أن يفلس في نهاية عام 2001؛ فخلال السنوات الأربع الأخيرة، نما الاقتصاد بوتيرة شبه «صينية» وانخفضت نسبة العاطلين من العمل من 20 في المئة من اليد العاملة إلى أقل من 8 في المئة اليوم.
لا يشك اثنان في أن البلد تحسَّن وأن الموالاة ستفوز بفضل أصوات الفقراء. في هذه الحال، من الصعب أن تقوى المعارضة وتترسخ.
يقول أحد أعمق المحللين السياسيين في جريدة «لا ناسيون»، حواكيم موراليس سولا، إن «النمو الاقتصادي والمعارضة المفتتة هما حلفاء بيت كيرشنير في هذه الانتخابات».
بيت كيرشنير؟ بلى، بيت كيرشنير... بعدما قرر الرئيس «البطريق»، كما هو ملقب لشكل وجهه المستطيل، ولأنه آتٍ من محافظة صغيرة قريبة من القطب الجنوبي، عدم الترشح ثانية، وفتح المجال أمام زوجته كريستينا فرنانديز دي كيرشنير.
هذا دليل إضافي على ما يحدث: من جهة، يتمتع الرئيس كيرشنير بنسبة عالية من الرضى، حوالى ثلثي الأرجنتينيين. ومن جهة أخرى، تعبر النسبة نفسها عن لامبالاتها إزاء الحملة الانتخابية الجارية.
على الأقل، هذا الوضع المعقد سمح لكريستينا بأن تحلِّق فوق الحملة الانتخابية من دون التوقف عندها؛ تتحاشى الجدل مع المرشحين ومع الصحافة، وتشارك بعدد من المهرجانات المركزية وتسافر في جميع أنحاء العالم لترسيخ فكرة أنها امرأة دولة. وأن انتقال السلطة هي مجرد عملية شكلية لدى مرشحة تمثل الاستمرارية مع بعض التعديلات الضرورية، ملخصةً شعار حملتها بالقول: «نعرف المشاكل وسنأتي بالحلول». حاول المرشحون الباقون ـــــ وهم يتخطون العشرة، بينهم أربعة أو خمسة جدّيون انتخابياً ـــــ تجميع أكبر عدد من الأصوات لفرض دورة ثانيةعلى الأقل. والقانون الانتخابي ينص على أن المرشح الذي يحصل على 45 في المئة من الأصوات أو على 40 في المئة مع فارق عشرة في المئة على المرشح التالي، يُعتبر منتخباً من الدورة الأولى.
قد تجرى دورة ثانية، وقد لا تجرى، وإن جرت فالسبب سيكون أن كريستينا لم تنل 40 في المئة من الأصوات لأنه من المضمون أنها في المقابل ستتخطى المرشح التالي بأكثر من عشرة في المئة.
غير أن مشكلة أبرز مرشحي المعارضة هي أنهم أكلوا من رصيد بعضهم بدلاً من أن يأخذوا من شعبية الموالاة. وتحوَّل الرهان إلى معرفة إذا ما كان هناك من دورة ثانية، وفي هذه الحال، من سيكون المختار لمواجهة كريستينا، ولو من دون حظ بالفوز؟
اسمان يتميزان عن الباقين، المعارضة الأولى المتخصصة في الإضاءة على فضائح السلطة ليليتا كاريو، ووزير الاقتصاد السابق روبيرتو لافانيا، الذي تسلّم حقيبته في أحلك الظروف بعد استقالة الرئيس دي لاروا في المرحلة الانتقالية التي سبقت انتخاب كيرشنير، والذي أعاد ترتيب البيت، وقد أبقاه كيرشنير وزيراً حتى انتخابات النيابية لعام 2005.
عادة، مع اقتراب موعد الانتخابات، يقوى المرشح الذي يرمز إلى الحكم وإدارته على المرشح الذي يرمز إلى التنديد والفضح. إلا أن هذه القاعدة كما يبدو لا تنطبق عندما يفتقد المعارضون أي فرصة للفوز. إن لم تحصل مفاجأة في الصناديق غداً نهار الأحد، فستُنتخب كريستينا من الدورة الأولى، وستحل ليليتا، ثانية إذا كانت الغاية من اللعبة تقتصر على «الاعتراض» وعلى توجيه إنذار لبيت كيرشنير.
وفي بلد تميّز تاريخه الحديث في التنافس القاسي بين الراديكاليين والبيرونيين، إلا عندما كان الجيش يعطل اللعبة على حساب الاثنين معاً، تُشكل انتخابات عام 2007 مفارقة، إذ إنها المرة الأولى التي لن يرشح فيها الحزب الراديكالي ممثلاً عنه، وتوزعت القيادات الراديكالية بين دعم كريستينا أو ليليتا أو لافانيا، كما يفعل مثلاً الراديكالي ألفونسين، أول رئيس منتخب بعد عودة الديموقراطية في الثمانينيات.
في المقابل، وضع الحزب البيروني ليس أفضل، إذ له ثلاثة مرشحين آتين من صفوفه، بينهم كريستينا ولافانيا... هنا تفسير آخر للامبالاة السائدة، إذ يمثل كل من المرشحين ائتلافاً معقداً من البيرونيين والراديكاليين ومن كل أطياف اليسار واليمين.
وأين الرئيس كيرشنير في كل ذلك؟ يبدو أنه بعد ضمان انتخاب كريستينا، التي كانت دائماً مستشارته الأولى قبل الرئاسة وخلالها، سينكب على إعادة بناء الحزب البيروني وتحديثه ووضع أسس ائتلاف يشبه «الجبهة العريضة» اليسارية الحاكمة في الأوروغواي. ويرى من يعرف الأرجنتين أنها مهمة لا تقل صعوبة عن إخراج الأرجنتين من الجحيم الذي وجدها فيه.