موسكو ــ حبيب فوعاني


تعدّ الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى إيران أول من أمس، بمثابة «الفرصة الاخيرة»، من أجل أن تقوم موسكو بدور قد يحدّ من قسوة العقوبات المفترضة على طهران أو تجنب حرب عليها، ولا سيما أنّ وقع قعقعة السلاح بات ينذر بحرب وشيكة محتومة في المنطقة


كانت زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران أول من أمس، مفاجأة للصحافيين الذين رافقوا المسؤول الروسي في زيارته إلى كازاخستان، حيث أعلن في الاستانة من دون أي مقدمات عزمه المرور بالعاصمة الإيرانية قبل عودته إلى موسكو.
غير أن صحيفة «فريميا نوفوستي» الروسية كشفت عن أن الاتفاق بين روسيا وإيران، كان قد تم في نهاية الأسبوع الماضي، مشيرة إلى أن هدف الزيارة هو التعرف إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والمفاوض الجديد في الملف النووي سعيد جليلي، وفي الوقت نفسه أخذ الرد من الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد على «الرسالة الخاصة» التي حملها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طهران منتصف الشهر الماضي، والتي كان الإعلان عنها على ما يبدو من بين أسباب استقالة سلف جليلي، علي لاريجاني.
وأملت ضرورة اللقاء، العقوبات الجديدة التي أعلنتها واشنطن من طرف واحد على الحرس الثوري وعدد من الهيئات الإيرانية منها مصرف «ملي إيران»، الذي تجرى من خلاله المعاملات المالية الخاصة بمبيعات الأسلحة الروسية إلى إيران، بعدما رأت موسكو أن العقوبات الأميركية الجديدة لن تضر فقط بالجمهورية الإسلامية بل وبمصالح الاتحاد الروسي.
كذلك تأتي زيارة لافروف عشية اجتماع تنوي القوى الكبرى (الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا) إضافة إلى ألمانيا، عقده في لندن لمناقشة فرض عقوبات دولية أخرى على إيران. إذ قال مسؤولون أميركيون إن الاجتماع، الذي سيعقد اليوم الخميس أو غداً الجمعة، سيبحث في المضي قدماً في إقرار هذه العقوبات بسبب مواصلة طهران رفضها لوقف برنامجها النووي.
ويبدو أن عميد الدبلوماسية الروسية قام بمحاولة أخيرة لإقناع طهران بتعليق تخصيب اليورانيوم أيضاً قبل أن يُقدِّم المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي والممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا، تقريريهما إلى الدول الست (5+1) في نهاية الشهر الجاري، ولا سيما أن الظروف ما زالت ملائمة لذلك، خاصة بعدما أكد البرادعي الأحد لقناة «سي إن إن» أنه لم يحصل على أي معلومات عن قيام إيران الآن بتنفيذ برنامج لتصنيع سلاح نووي.
وإذا قدَّم البرادعي وسولانا تقريرين سلبيين إلى الدول الست، فلا بد من إعداد قرار جديد قبل نهاية العام الجاري يقضي بفرض مزيد من العقوبات على إيران، وهو قرار تقول موسكو إنها لن تستطيع الحؤول دون تبنّيه.
وإذا لم تتأثر طهران بالقرار المُرتقب، فقد ينتهي الأمر بواشنطن إلى شن عملية عسكرية على إيران، وحتى من دون موافقة مجلس الأمن الدولي. وعندئذ تقع «الكارثة العالمية»، التي يراهن عليها «الصقور» المقربون من نائب الرئيس ديك تشيني والمحافظون الجدد المبعدون عن صنع القرار الأميركي، في محاولة لتحقيق حلمهم الكبير بنشر الديموقراطية من جديد، ودفع البيت الأبيض لاختيار الحل العسكري؛ فإيران ترى الفرصة الأخيرة لتحقيق شيء ما قبل رحيل بوش بعد خمسة عشر شهراً.
غير أن الخبراء يُفسِّرون قعقعة السلاح في واشنطن بشكل آخر: كل شيء يجب أن يبدو مرعباً، ويجب أن يتزامن الهلع الشامل مع محاولات التسوية السلمية مع طهران ودفع واشنطن، التي لا تملك أوراقاً للتأثير على طهران، لموسكو إلى ممارسة الضغط على الإيرانيين.
وتلوح في التصريحات الأخيرة للمسؤولين الغربيين نزعة التسليم بانتهاء حقبة القطبية الواحدة وضرورة التفاهم مع موسكو. إذ سربّت مصادر دبلوماسية غربية إلى الطبعة الباريسية من صحيفة «انترناشيونال هيرالد تريبيون» معلومات عن استعداد البيت الأبيض لعقد «صفقة كبرى» مع الكرملين بشأن معاهدة القوات التقليدية في أوروبا وكوسوفو وإيران.
وكانت مصادر إعلامية روسية مطلعة قد ذكرت أن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، قد حملا في زيارتهما إلى موسكو في 12 تشرين الأول الماضي عرضاً إلى الكرملين يقضي بأن تقوم موسكو حتى 1 كانون الأول المقبل بالضغط على طهران لكي تعلن رسمياً تخلِّيها عن تخصيب اليورانيوم، وبذلك تنتهي «المشكلة النووية الإيرانية».
وفي المقابل، تقوم واشنطن بإيقاف نشر عناصر منظومة الدفاع المضادة للصواريخ في بولندا وتشيكيا، وتساعد موسكو على الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وتلغي تعديل جاكسون ـــــ فينيك، الذي يضع قيوداً على التجارة مع موسكو منذ عام 1974، وتلغى العقوبات الاقتصادية على عدد من الشركات الروسية بما فيها المُصدّرة للأسلحة.
وذكرت صحيفة «كوميرسانت» الروسية أن بوش أكد في اتصال هاتفي أخير مع بوتين أنه في حال إيقاف الإيرانيين لتخصيب اليورانيوم فإن واشنطن مستعدة للمشاركة مع أطراف أخرى في محادثات مع طهران، وفيما بعد لإجراء مباحثات ثنائية مباشرة مع الجمهورية الإسلامية. وفي هذا الإطار، يصبّ اقتراح الكرملين الجديد، الذي تم تقديمه إلى طهران.
وإذا كانت موسكو تُصّر في السابق على إنشاء مؤسسة إيرانية ـــــ روسية مشتركة لتخصيب اليورانيوم على الأراضي الروسية، فإنها الآن برأي رئيسة القسم الإيراني في معهد الاستشراق الروسي نينا محمدوفا، تقترح على الإيرانيين «إنشاء مؤسسة روسية ـــــ إيرانية مشتركة لتخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية وبمشاركة الشركات الغربية بل وبموافقة أميركية مسبقة».