strong>البرلمان التركي انتخب في جولة ثالثة من استحقاق مثير للجدل، أمس، عبد الله غول رئيساً للبلاد. فوز معنويّ، وإن غير مفاجئ، لحزب «العدالة والتنمية»، كرّس مرشّحه «الديموقراطي المحافظ»، المتشدّد الإسلامي السابق، زعيماً في قصر كنكايا الرئاسي الذي كان حكراً على سياسيّي الصفوة العلمانيّة مذ أسّس مصطفى كمال أتاتورك تركيا العلمانيّة على أنقاض السلطنة العثمانيّة

في ثلاثينيات القرن الماضي

بعد جولتين انتخابيّتين شهدهما البرلمان الأسبوع الماضي، لم تخوّلاه الحصول على ثلثي أصوات المشرّعين من أجل حسم معركة الرئاسة، استطاع عبد الله غول أمس أن ينتزع كرسي الرئاسة ليصبح الرئيس الـ 11 للجمهوريّة التركيّة، بعدما بات شرط الفوز الحصول على غالبيّة مطلقة من أصوات النوّاب الـ 550، وهو ما أمّنته له الـ 339 صوتاً التي فاز بها، متغلّباً على مرشّح حزب «الحركة القوميّة» صباح الدين كاغماكوغلو (70 صوتاً) ومرشّح حزب «اليسار الديموقراطي» تايفون إكلي (نال 13 صوتاً).
وعقب خطاب القسم، جدّد غول، الذي يعني اسم عائلته «الزهرة» في اللغة التركيّة، طمأنته للجيش وللأوساط العلمانيّة المرتابة من «أجندة إسلاميّة» يضمرها. وقال القيادي في حزب «العدالة والتنمية» بزعامة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، إنّ «العلمانيّة، التي تشكّل أحد المبادئ الأساسيّة في جمهوريّتنا، هي شرط مسبق من أجل السلام الاجتماعي، بقدر ما هي محرّرة لمختلف أساليب الحياة»، مشدّداً على أنّه ما دام موجوداً في منصبه الجديد «سأحتضن جميع المواطنين من دون تفرقة، وسأحافظ على عدم الانحياز بكثير من الحرص، وأبوابي ستبقى مفتوحة».
كما لفت غول (56 عاماً)، السياسي المخضرم الذي يحظى بالاحترام على نطاق واسع والذي أمضى حياته في حزبي «الرفاه» ثم «الفضيلة» الذي ورثه، إلى ضرورة المحافظة على الديموقراطيّة وحريّة التعبير والسعي الحثيث على طريق انضمام أنقرة إلى باقة عواصم الاتّحاد الأوروبي. وهو كان قاد محادثات الانضمام هذه منذ تولّيه وزارة الخارجية في عام 2003.
وفي السياق، رأى رئيس المفوضية الأوروبية خوزيه مانويل باروزو أنّ انتخاب غول رئيساً قد يعطي «زخماً جديداً» لمفاوضات انضمام تركيا إلى الاتّحاد الأوروبي. وقال إنّ الانتخابات الرئاسية التركية ووصول حكومة جديدة تحظى بتفويض شعبي واضح يشكّلان «فرصة لإعطاء دفع إيجابي لعملية الانضمام من خلال تحقيق تقدم في العديد من المجالات الأساسية»، مبدياً ثقته بأنّ الرئيس الجديد «سيضطلع بمهماته بحسّ كبير بالواجب» حيال بلده وشعبه.
وباشرت تركيا في تشرين الأوّل 2005 مفاوضات الانضمام إلى الاتّحاد، غير أنّ التقدّم الذي أحرز منذ ذلك التاريخ بطيء جداً بحيث يتوقّع المحلّلون الأكثر تفاؤلاً أن تستمرّ العملية ما لا يقلّ عن 10 سنوات أو حتّى 15 سنة، في ظلّ انقسام الدول الـ 27 الأعضاء في الاتّحاد حيال إمكانية انضمام الدولة الإسلاميّة بدستور علماني إلى صفوفها. ورحّب أردوغان بانتخاب غول، الذي عليه حسبما ينصّ القانون التخلّي عن عضويّته الحزبيّة. وأكّد أردوغان أنّه سيقدّم له اليوم تشكيلة حكومته الجديدة للموافقة عليها، بعدما كان الرئيس السابق أحمد نجدت سيزر قد رفض التصديق عليها عقب انتخابات الشهر الماضي.
وكان لافتاً إصرار سيزر، أمس، على إجراء مراسم التسلم والتسليم مباشرة بعد جلسة الانتخاب وبعيداً عن عدسات المصورين، في خطوة عزاها مراقبون إلى أنه لا يرغب بأن يظهر في الصورة نفسها مع غول.
ونجاح غول في اقتناص الرئاسة يأتي غداة تحذير قائد الجيش التركي يسار بويكانيت لـ«مراكز الشر» التي تحاول المساس بالجمهورية العلمانية، وهو تصريح يشير إلى أنّ الجيش، الذي لم يحضر أي من ممثليه جلسة انتخاب الرئيس في البرلمان أمس، لن يقف في الظلّ مكتوف اليدين إذا رصد أيّ تهديد للفصل بين الدين والدولة، التي يبلغ عدد سكّانها 74 مليون نسمة.
وكان تحذير مشابه أطلقه الجيش في نيسان الماضي حين رشّح «العدالة والتنمية» غول للرئاسة قد وجد صدى له في الشارع التركي عبرت عنه تظاهرات مليونيّة عكست التخوّف من سعي الحزب الحاكم إلى تقويض العلمانيّة، من خلال سيطرته على جميع محاور السلطة (البرلمان والحكومة والرئاسة). والاحتجاجات دفعت إلى إجراء انتخابات مبكرة نجح «العدالة والتنمية» في حصد نحو 50 في المئة من أصوات الناخبين فيها، وفاز بـ 341 مقعداً برلمانياً.
وعلى الرغم من عدم إشارته إلى أيّ خلل في أدائه، يرجع تحفّظ الجيش، الذي أطاح 4 حكومات منذ عام 1960، بينها واحدة كان غول من بين وزرائها عام 1970، على الرئيس الجديد جزئياً إلى ارتداء زوجته خير النساء للحجاب الذي يعتبره العلمانيون رمزاً دينياً استفزازياً ويخشون من ظهوره في الاحتفالات الرسمية في قصر الرئاسة.
وفي دلالة على أهمية قضية الحجاب في تركيا والانقسامات الجارية حولها، قالت صحيفة «ميليت» في عددها الصادر أمس، للإشارة إلى انتخاب غول المتوقّع، «في هذا اليوم التاريخي لن تقف زوجته إلى جانبه».
وفي ظلّ تعرّض أسواق المال التركية لضغوط منذ بيان الجيش أوّل من أمس، وانخفاض سعر الليرة إلى 1.3240 أمام الدولار، لفت الأكاديمي والخبير في شؤون الشرق الأوسط جنكيز جندار إلى أنّه «يجب ألّا نتوقع خطوات راديكالية حين يصبح غول رئيساً، وأن معارضيه الذين يخشون أن يفعل ذلك سيدهشون ومؤيّديه الذين يأملون في خطوات راديكالية سيخيب أملهم».
يشار إلى أنّه على الرغم من الطابع الرمزي لمنصبه، يملك الرئيس التركي صلاحية الاعتراض على القوانين وحل البرلمان بالإضافة الى تعيين رئيس الوزراء ومسؤولين أساسيين في الدولة. كما يمكنه الدعوة إلى انتخابات تشريعيّة مبكرة إذا تعذّر تأليف حكومة خلال المهل المحدّدة بعد الانتخابات أو في حال فشل تصويت على الثقة، أو نجاح تصويت على حجب الثقة.
(أ ب، أ ف ب، رويترز)