باريس ــ بسّام الطيارة


تحت شعار «تجنّب مواجهة بين الإسلام والغرب»، وضع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي خطابه الأوّل لرسم الخطوط العريضة للدبلوماسية الفرنسية. قال إنّ العمل يجب أن ينصبّ على «تشجيع قوى الاعتدال والحداثة ومساعدتها في كلّ بلد مسلم، من أجل الوصول إلى إسلام معتدل ومتسامح يقبل بالتنوّع». وبعدما دعا إلى توجيه التعاون نحو برامج داعمة «للانفتاح والحوار»، معتبراً أن هناك إمكانية لإشراك «الهيئات الإسلامية الفرنسية» في هذه الخطوات، أشار إلى «تطوّر دول مثل المغرب والجزائر وتونس والأردن وأندونيسيا» التي هي خير شاهد برأيه على إمكانية «وجود حركات اجتماعية مدعومة من الحكومات».
ورغم إمكانية النظر إلى الشعار على أنّه إشارة انفتاح، إلّا أنّه، كما يقول بعض المراقبين، يعبّر عن «ضرورة معالجة حاسمة وسريعة» للشرخ الذي يتّسع بين الغرب والعالم الإسلامي، فيما يرى آخرون أنّ اختيار وتسمية بعض البلدان العربية والإسلامية «كمثال يحتذى به» لم يكن «اختياراً موفقاً»، أكان ذلك من باب «حقوق الإنسان» أم من باب «حرية عمل المنظمات غير الحكومية» التي دعا ساركوزي إلى تشجيع التعامل معها ودعمها.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى خطاب الرئيس الفرنسي على أنّه جاء بـ«قالب غربي ليبرالي» بعيد جداً عن مفهوم الانفتاح بشكل عام إلّا على الدول التي تخدم أنظمتها المصالح الغربية بالمفهوم الليبرالي. ففي مجال حقوق الإنسان، تشغل الدول المشار إليها الصحافة الفرنسية والأوروبية بشكل دائم، وهي تحت مجهر المنظمات الإنسانية بسبب سجلّاتها، فكلّ زيارة يقوم بها مسؤول فرنسي إلى تونس تكون مناسبة للتنديد بانتهاكات السلطات.
إلّا أنّ ذلك لم يمنع أن تكون تونس والبلدان التي ضُرب بها المثل، الدول التي تربطها العلاقات التجارية الصناعية الأوثق بفرنسا وتشكّل أراضيها «الوجهة الأولى لهجرة المصانع الأوروبية» بحثاً عن «اليد العاملة الرخيصة» بالإضافة إلى القوانين المريحة لأرباب العمل والحامية للمستثمرين الأجانب، وخصوصاً في ظلّ غياب «ضغوط نقابات العمال والمطالب الاجتماعية».
وقبل أيّام من خطاب ساركوزي، انشغلت الأوساط القضائية الفرنسية بدعوى أقامها أحد المقيمين في فرنسا من أصول تونسية وزوجته، على إحدى كبريات الشركات الفرنسية السياحية يتّهمانها فيها بـ«معاملة عنصرية» وبقبولها توجيهات من تونس تقضي بـ«رفض السيّاح التونسيين» للمشاركة في رحلاتها المنظّمة إلى تونس. وتبيّن أن المنظّم حذّر الزوجين بإمكانية إلغاء الحجز «بسبب رفض إدارة الفندق دخول الوطنيين». وقد انضمت منظمات محاربة العنصرية إلى الدعوى.
ويقول حقوقيون إن غضّ نظر الغرب عن ممارسات بعض الأنظمة «المنفتحة» تعود قبل كلّ شيء إلى أسباب اقتصادية وأنّ المنافع التي تجنيها الشركات الكبرى مرتبطة بشكل ما بـ«محدودية الحقوق العامّة»، وأنه توجد علاقة مباشرة بين نسبة الشركات الأجنبية التي تنتقل إلى دولة ما ومستوى الحقوق العامّة للأشخاص فيها. ومن الغرابة أن الدول التي أشار إليها ساركوزي في خطابه هي، إلى جانب تركيا، التي تستقبل العدد الأكبر من الصناعات المهاجرة من فرنسا، وهو ما يدفع إلى القول بأن العامل الاقتصادي لم يكن بعيداً عن خاطر الرئيس حين وضع لائحته للإشارة إلى «الدول المثالية».