طهران | منذ أيام وقضية تحرّش شرطيين سعوديين بشابين قاصرين إيرانيين في جدة تتفاعل. القصة بدأت عندما كانت مجموعة من الحجّاج الإيرانيين تخضع للتفتيش في مطار مدينة جدة، خلال رحلة أداء مناسك العمرة في المملكة العربية السعودية. فُصل شابان قاصران (14 و15 عاماً) عن المجموعة بحجة تفتيشهما يدوياً، ليظهر لاحقاً بعد عودة أحدهما من التفتيش، أنهما تعرّضا لمضايقات وتحرشات جنسية من قبل الشرطة السعودية.


أُثير الموضوع في المطار وحاولت عائلتا الشابين التكتم عليه لحراجته، إلا أن القصة وصلت إلى طهران، فقامت وزارة الخارجية الإيرانية باستجلاء الموضوع وتواصلت مع ممثليتها في السعودية، ليُستدعى القائم بالأعمال السعودي في طهران إلى أروقة الوزارة، ويطالَب بتوضيح الحادثة وتوقيف من وصفوا بـ«المتحرشين» و«المعتدين». مجلس الشورى الإيراني، بدوره، تقدّم بإدراج بند بحث إلغاء حج العمرة على جدول الأعمال المستعجلة في البرلمان، داعياً إلى الاقتصاص من المعتدين الذين «نالوا من كرامة حجاح بيت الله الحرام».
كذلك، طالب الرئيس حسن روحاني، في رسالة وجهها إلى وزير الإرشاد والثقافة الإسلامية علي جنتي، بمتابعة الموضوع مع منظمة الحج والزيارة ووزارة الخارجية، وتقديم تقرير مفصّل عن الحادث، ليتم في ضوئه اتخاذ الإجراءات المناسبة في هذا الشأن، وشدد روحاني على ضرورة معاقبة الفاعلين من قبل سلطات بلادهم.
وبالفعل، أبلغت الحكومة الإيرانية منظمة الحج والزيارة إيقافها رحلات العمرة كافة، بشكل مؤقت، إلى أن تتم محاكمة ومعاقبة المتورطين في القضية. وبحسب الإحصاءات، فإن المعدل السنوي للحجاج الإيرانيين الذين يزورون السعودية لأداء العمرة يصل إلى حوالى 700 ألف مواطن إيراني سنوياً.
الحراك السياسي يوازيه حراك شعبي كبير، فالحديث عن الموضوع طاغٍ اليوم على الشارع الإيراني ــ إن في سيارة الأجرة أو داخل المتاجر وفي الحدائق العامة ــ الكل يكيل الشتائم لمن اقترفوا هذا العمل «الشنيع»؛ فالشارع الإيراني معبّأ أصلاً من السياسات السعودية المتبعة في تعاطيها مع الملف النووي، كما أن دعمها الواضح للمجموعات المسلّحة في المنطقة، من ضمنها المجموعات المسلّحة جنوب شرق إيران، التي نفذت قبل أيام هجوماً على حرس الحدود أودى بحياة ثمانية منهم على الحدود مع باكستان، زاد من الاستنكار الشعبي ضد المملكة، خصوصاً بعد العدوان على اليمن.
جاءت حادثة الاعتداء لتطلق سيلاً من الانتقادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، موجهة ضد الرياض دعوات شبه يومية للتظاهر أمام السفارة السعودية شمالي العاصمة طهران.
الذاكرة الإيرانية حتى اليوم لا تنسى قضية «الجمعة الدامي» التي وقعت في مكة المكرمة، في 31 تموز عام 1987، عندما نفّذ حجاج إيرانيون مع بعض الحجاج من جاليات عربية، خلال مناسك الحج، ما يعرف بـ«يوم البراءة من المشركين»، فنزلوا إلى الشارع هاتفين بـ«الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل». بحسب الرواية الإيرانية، فقد فتحت قوات الأمن السعودي النار على هؤلاء المحتجين، ما أدى إلى سقوط 400 قتيل، بينهم أكثر من 250 إيرانياً، وكان الأمير نايف بن عبد العزيز، وقتها، وزيراً للداخلية السعودية.
أثارت هذه الحادثة غضب الجمهورية الإسلامية، ما دفع بالإمام الخميني إلى وقف الحج أربع سنوات متتالية، وقُطعت العلاقات الدبلوماسية مع المملكة العربية السعودية، لتعود بعد ذلك في عهد الرئيسين الأسبقين أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، إضافة إلى الدورة الرئاسية الأولى للرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، حتى عام 2009.
بعدها، دخلت العلاقات الإيرانية ــ السعودية مرحلة جديدة من الصراع، بدأت بوادرها بإعلان وزارة العدل الأميركية في 11 تشرين الأول 2011، عن محاولة اغتيال مزعومة للسفير السعودي في واشنطن عادل الجبير، عبر عنصرين قيل إنهما مرتبطان بالحرس الثوري الإسلامي، وهما منصور أرباب سير مواطن أميركي إيراني الأصل، إضافة إلى شخص إيراني يدعى علي غلام شكوري.
هذا الإعلان أثار ضجة سعودية كبيرة في المحافل الدولية بشأن الدور الإيراني في المنطقة، رغم نفي الجمهورية الإسلامية هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، واضعة إياها في إطار الضغط على طهران سياسياً، على خلفية الخلافات التي كبرت شيئاً فشئياً، من خلال الدعم الإيراني العلني والواضح لحلفاء لها في المنطقة، يُعتبرون أعداءً للسعودية.
انتخاب حسن روحاني، في حزيران عام 2013 رئيساً للبلاد، ورسالة التهنئة السعودية، قُرئا على أنهما محاولة لفتح خطوط تواصل جديدة مع طهران، لتبادر إيران، في أكثر من مناسبة، بالإعلان عن الحوار المباشر حول قضايا المنطقة. لكن الرهانات على سقوط حلفاء طهران وفشل المفاوضات النووية، كانت توهم حكام الرياض بضرب محور الممانعة وإضعافه لجرّه إلى طاولة حلول بما ترسمه السعودية للمنطقة، لتكشف الأيام سوء التقدير السعودي في هذا المجال.
وفي السياق ذاته، أثبت فشل الرهانات على الملف النووي وملفات إقليمية، صمود محور الممانعة الممتد من طهران إلى بغداد ودمشق بوجود قوى المقاومة الفاعلة، لتستكمل الصفعة برد من أعلى المستويات القيادية في إيران. «ستهزمون في اليمن وسيمرّغ أنفكم في التراب»، كلام لن يكون عابراً في الرياض، وقد يغيّر الكثير من معادلات المنطقة.