تقترب تركيا من موعد الانتخابات البرلمانية في السابع من حزيران، في وقتٍ يبدو فيه أن هذا الاستحقاق سيكون صعباً، ولا سيما بالنسبة إلى حزب «العدالة والتنمية» الحاكم الذي سيتخلى عن بعض النواب السابقين، بحسب النظام الداخلي للحزب الذي لا يسمح بترشح لأكثر من دورات ثلاث.

سيصبح مؤسسو الحزب وأبرز وجوهه، خارج حلبة المنافسة في الانتخابات. أبرز هؤلاء: الرئيس السابق عبد الله غول، بولنت أرينش وكورتلموش ويلدريم. ولم ينجُ من هذه «التصفيات» سوى رئيس الوزراء وزعيم الحزب، أحمد داود أوغلو، أو الرجل الثاني بعد رجب طيب أردوغان، كما يقال في تركيا.

لقد راجع داود أوغلو قائمة المرشحين بعدما صادق عليها أردوغان، القائد الفعلي للحزب، وتم تقديم لائحة المرشحين إلى المجلس الأعلى للانتخابات في 7 نيسان الجاري. وكان أردوغان قد لوّح منذ أيام قليلة، بعد اطلاعه على استطلاعات الرأي بشأن الانتخابات، بأن حصول الحزب على 335 مقعداً يمثل عدداً كافياً من أجل الوصول إلى نظام الرئاسي بواسطة الاستفتاء، بعدما كان يتطلّع إلى الحصول على 400 مقعد في البرلمان. أما داود أوغلو، فقد أوضح أن الحزب لن يقدم وعوداً شعبوية لا يمكن تحقيقها، في غمز من قناة حزب «الشعب الجمهوري» الذي لوّح بمشروع جديد للمتقاعدين، مشدداً على أن «العدالة والتنمية»، منذ مجيئه إلى الحكم 2002، يقدم الخدمات والمساعدات.
يعمل حزب «العدالة والتنمية» إذاً على تسمية وجوه جديدة، مركزاً على منافسة قوتين رئيسيتين له، أولاهما حزب «الشعوب الديموقراطي» الذي يناضل ليتخطى عتبة الـ 10% من المقاعد للدخول إلى البرلمان كلائحة موحدة تجمع النواب الأكراد، فيما يقوم «العدالة والتنمية» بتسمية مرشحين من الملاك والإقطاعيين الأكراد الذين يقدمون الخدمات ويمتلكون شبكة توظيفات في الأوساط الكردية، لكي ينافس الحزب الكردي في عقر داره، بعدما كان قد ركز في انتخابات العام 2011 على مطالب الأكراد ومصالحهم في اختيار مرشحيهم.
أما القوة الثانية التي يركز على منافستها، فهي جماعة «الخدمة» التابعة للداعية فتح الله غولن، إذ تميزت لوائح «العدالة والتنمية» هذه المرة، بالعودة إلى المرشحين القوميين الأتراك مثل مللي غوروش، في مواجهة الأيديولوجيا الإسلامية التي تتسم بها جماعة غولن. ومن الملاحظ كذلك، ترشيح المثقف والكاتب والمستشار التركي الأرميني، ماركار اسيان، في محاولة لاستقطاب أصوات الأرمن أيضاً. أما أصوات الأقلية العلوية والمسيحيين، فهي أصوات لا يعول عليها لكونها خارج استقطاب «العدالة والتنمية».
ويبدو أن الحزب وقع في المحاباة، خلال انتقائه قائمة مرشحيه، حيث إن من المرجح أن يصبح صهر أردوغان، برات البيرق، نائباً في البرلمان المقبل ثم وزيراً للمال. غير أنه سيكون من الصعب جداً للمستثمرين الأجانب والأسواق المالية هضم وزير يرتبط ارتباطاً مباشراً بالرئيس. وهناك ثلة من المستشارين المقربين من أردوغان وُصفوا بأنهم يشكلون مجلس وزراء مصغراً وضعت أسماؤهم على قائمة «العدالة والتنمية» الانتخابية، لذا أطلق على اللائحة تسمية «قائمة الرئاسة». ولا شك بأن نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية»، سليمان صولو، وهو المسوؤل التنظيمي في الحزب نال ثقة أردوغان وداود أوغلو بعد مشاركته في جوجلة أسماء المرشحين. إلى جانب هذه الأسماء، يتردد اسم نائب رئيس الوزراء، علي باباجان، الآتي من دوائر البنك الدولي والذي يعتبر وجوده وسياساته الاقتصادية الضامن للاستثمارات الغربية في تركيا، بعدما قادت سياسته «العدالة والتنمية» إلى نجاح اقتصادي منذ مجيئه إلى الحكم. لكن الرجل ينتمي الى «الحرس القديم» الذي لا يحق له الترشح، إضافة إلى خلاف أردوغان معه منذ كان الأخير رئيساً للوزراء. فهو لطالما عدّه، مع مدير البنك المركزي محمد شيمشك، واقعَين تحت تأثير الدوائر المالية الغربية. إضافةً إلى كونهما مقربين من الرئيس السابق عبد الله غول، ولا سيما أن أردوغان، بعد تعيينه ياغيت بولوت مستشاراً له في الشؤون الاقتصادية عام 2013، زادت تدخلاته في عمل البنك المركزي وفي العملية الاقتصادية ككل بصورةٍ كبيرة، وخصوصاً في عمل بنك «آسيا» بعد الصراع مع غولن.
ثم جاء تراجع سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار وضرورة المحافظة على الاستثمارات الغربية، ليفرضا على أردوغان المحافظة على باباجان أو على الأقل على مستشاره. لذلك، أوحى داود أوغلو في مقابلة صحافية، بأنه ليس من الضروري أن يكون كل الوزراء من داخل البرلمان، إذ يمكنه اقتراح أسماء خبراء ليسوا من داخل البرلمان.
لطالما مثل حزب «العدالة والتنمية» مظلةً للأحزاب الاسلامية المحافظة، كأحزاب «السعادة»، «الهدى» و"الوحدة". اليوم، سيتحالف الحزب الحاكم فقط مع أعضاء من حزب «الطريق القويم» و"الديموقراطي" لأن معظم الأسماء القديمة ذاهبةٌ إلى التقاعد السياسي على أساس النظام الداخلي للحزب، ليصبح من المتوقع ضخ دماء جديدة في شرايين حزب أردوغان، بعد 14 عاماً من حكمه البلاد.