اسطنبول | أثارت التصريحات الأخيرة للبابا فرنسيس، بشأن الإبادة الأرمنية قبل مئة عام، بلبلة دبلوماسية وسياسية في أنقرة التي استدعت سفير الفاتيكان لديها، أنطونيو لوسيبيلا، لتبلغه استنكارها ورفضها لكلام البابا.

وبعدما وصف بابا الفاتيكان، خلال قداس خاص في كاتدرائية القديس بطرس يوم أمس إحياءً لـ «ذكرى ضحابا الأرمن»، الجرائم التي تعرّض لها الأرمن عام 1915 في السلطنة العثمانية بأنها «أول إبادة جماعية في القرن العشرين»، أبلغ مساعد وكيل وزارة الخارجية، لوند مراد، سفير الفاتيكان، «خيبة أمل» الحكومة التركية و«أسفها» من هذه الأقوال، معتبراً أنها «لا تعكس الحقائق التاريخية للقضية الأرمنية».

وأثارت تصريحات البابا ردوداً قويةً من قبل المسؤولين الأتراك، حيث وصفها رئيس الوزراء التركي، أحمد داوود أوغلو، بأنها «منحازة» و«لا تليق بالبابا والسلطة التي يمسك بها». كذلك، استدعت الحكومة التركية سفيرها لدى الفاتيكان، محمد باتشاجي، إلى تركيا، «من أجل إجراء مشاورات». من جهته، قال وزير الاتحاد الأوروبي وكبير مفاوضي الأتراك، فولكان بوزكير، إن تركيا «لن تقبل مثل هذه التصريحات غير المقبولة بأي شكلٍ من الأشكال»، مؤكداً أنه «يعتبرها غير موجودة». وفي هجومٍ لاذع على البابا، أضاف بوزكير أن البابوية «منصب يتحتّم عليه أن يعمل لتعزيز الاعتقاد الديني للناس وإثراء عالمهم المعنوي، وإزالة كل أشكال الخلافات بين البشر، وإضافة أشياء جميلة للعالم»، متابعاً أن تصريحات البابا فرنسيس هي «تصريحات خاطئة ستدخل سجل تاريخ العالم بوصفها عداءً تاريخياً». وفيما «أسف» بوزكير لهذا الكلام، استذكر مقتل 40 دبلوماسياً خلال 40 عاماً في فترة عمله في وزارة الخارجية التركية على يد منظمة «أصالا» اليسارية الأرمنية (الجيش الأرمني السري لتحرير أرمينيا) التي تصنّفها أنقرة «إرهابية»، لافتاً إلى أن تصريحات البابا «تعتبر ضمناً دعماً لتلك المنظمة الإرهابية».
وترفض الدولة التركية الاعتراف بأن ما تعرض له الأرمن عام ١٩١٥ هو تطهير عرقي «Genocide»، وتقول إن الأرمن الذين كانوا مواطنين في الدولة العثمانية «تآمروا ضد دولتهم بالتحالف مع روسيا» خلال العرب العالمية الأولى. وقررت الدولة العثمانية آنذاك تهجير الأرمن من أماكن وجودهم باتجاه سوريا والعراق، حيث تعرضوا لاعتداءات من قبل العشائر التركية والكردية وهم في طريقهم إلى الجنوب، وهو ما أدى إلى مقتل مئات الآلاف منهم. ويتهم الأرمن الدولة العثمانية بتهجيرهم من مدنهم وقراهم بعد مجازر استهدفتهم، وأدت إلى مقتل نحو ١،٥ مليون أرمني. وكانت برلمانات عدة حول العالم قد اعترفت بالإبادة الأرمنية، في وقتٍ استنفرت فيه أنقرة كل إمكانياتها، وبالتنسيق المتواصل مع البيت الأبيض، لمنع الكونغرس الأميركي من هذا التوجه نحو هذا الاعتراف، علماً بأن الرؤساء الأميركيين يتعاطون في كل عام مع أحداث ١٩١٥ على أنها مأساة وكارثة إنسانية.
بدورها، استنفرت أرمينيا كل إمكانياتها للحصول على اعتراف دولي بالإبادة الأرمنية تحت تسمية التطهير العرقي عبر الأمم المتحدة بعد الكونغرس الأميركي. وجاءت أقوال البابا فرنسيس تأكيداً لمساعي الأرمن لإحياء الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية في ٢٤ الشهر الجاري. وتطالب يريفان أنقرة بالاعتراف بالإبادة كشرط أساسي لتطبيع العلاقات بين الدولتين، فيما تطالب أنقرة أرمينيا بتشكيل لجنة أكاديمية مشتركة للاطلاع على الوثائق التاريخية الموجودة في الأرشيف الرسمي للدول المعنية، وهي تركيا، أرمينيا، روسيا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا وأميركا، والتأكد من صحة الادعاءات المتبادلة. يذكر أن تركيا اعترفت باستقلال أرمينيا بعد تمزق الاتحاد السوفياتي عام ١٩٩٠، إلا أنها لم تتبادل معها التمثيل الدبلوماسي، كذلك فإنها لم تفتح الحدود البرّية معها.