معمر عطوي


يدرك الغرب جيداً أن التفاوض مع إيران ليس نزهة يمكن من خلالها تحقيق ما يصبو إليه.
وهو، وإن سعى إلى خوض مفاوضات مع نظام رفع شعار «لا شرقية ولا غربية» وحرّم التعاطي لعقود مع «الشيطان الاكبر»، يدرك مدى صعوبة المناورة مع اسلوب تفاوضي طويل النفس، تماهياً مع المثَل الايراني «الذبح بالقطنة».
ورغم السيطرة العسكرية السافرة على مياه الخليج ومصادر الطاقة في معظم البلدان العربية، ورغم التأييد الكبير الذي تحظى به الادارة الاميركية من حلفائها في الدول العربية والاسلامية، استطاعت طهران السير في مناوراتها السياسية مع الغرب على مستويين: الاول يتمثل في المحادثات بشأن الملف النووي، والثاني يتمثل في المفاوضات التي بدات في 28 أيار الماضي مع الولايات المتحدة حول العراق.
في الملف الأول، استمرت طهران على مواقفها الرافضة لتعليق التخصيب، وذلك بالرغم من صدور ثلاثة قرارات من العقوبات في مجلس الأمن ضد طهران (1969 و1737 و1747).
اما في الملف التفاوضي الآخر، فيبدو أن طهران، التي استغلّت تورط اميركا في مستنقع العراق الدامي، مستعدة لقطف ثمار هذه المفاوضات التي رآها البعض خرقاً لمحرم، فيما مثّلت هواجس للبعض الآخر، بينهم زعيم جيش المهدي السيد مقتدى الصدر.
ورغم ما يحدث ميدانياً في مياه الخليج من حركة مناورات حربية اميركية قبالة سواحل ايران في مقابل مناورات ايرانية مماثلة، لا يمكن الرهان على توجيه ضربة عسكرية الى النظام الاسلامي، في ظل انقسامات واضحة بين الاميركيين حول هذا الخيار، رغم الحرب الامنية المستعرة بين البلدين، مع استمرار اعتقال دبلوماسيين إيرانيين في العراق منذ كانون الاول الماضي على أيدي قوات الاحتلال الأميركية.
كل هذه المعطيات تفتح الباب امام تأويلات كثيرة حول مدى صعوبة حقل ألغام التفاوض بين العدوّين اللدودين، اللذين يبدو أنهما يستخدمان سياسة العصا والجزرة.
صحيح أن الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد أكد أخيراً أنه لن يساوم على حزب الله وسوريا، في تصريح يوحي بإمكان استبعاد المقاومة العراقية من هذه اللاءات. لكن أي تنازل في هذا الملف يبقى مستبعداً هو أيضاً في الوقت الراهن.
فالمسؤولون الايرانيون يدركون جيداً على ما يبدو عمق الفخ الذي وقع فيه الاميركيون، وهم بالتالي غير مستعدّين لتقديم تنازلات تفقدهم بعض الاوراق الرابحة، وتعطي في الوقت عينه مكافأة لعهد الرئيس جورج بوش الذي شارف على نهايته.
تصريحات هؤلاء المسؤولين تشير الى انهم متمسكون بالاستمرار في الانشطة النووية الحساسة، وفي الوقت نفسه متمسكون بالمطالبة بخروج الاحتلال من المنطقة. وأمام هذا الاصرار على الاحتفاظ بملفين شائكين، يبدو أن الإيرانيين ماضون في المناورة في الوقت الضائع والعمل على كسب الوقت وإدارة الأزمة بأقل تكاليف ممكنة، الى ما بعد الانتخابات الاميركية نهاية العام المقبل.