"آفاق النمو العالمي تظل غير مؤكدة فى الاقتصاديات الرئيسية". ربما كان ذلك «التوقع» الأبرز في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر يوم أمس عن صندوق النقد الدولي الذي استعرض حال اقتصادات الدول الصناعية الغربية بشكل خاص، التي لا تزال تعاني ترددات الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت أواخر عام 2008، ومن أبرز مظاهرها الركود والبطالة والمستويات المرتفعة من الدين العام والخاص، ما ينعكس سلباً على مستويات الانفاق والنمو.


أبقى الصندوق في تقريره المذكور على توقعاته نمو الاقتصاد العالمي خلال 2015 عند 3.5%، دون تغيير عن توقعات كانون الثاني، وذلك مقارنة بنمو 3.4% في العام الماضي. وبحسب التقرير، فإن النمو في الاقتصاديات المتقدمة سيتسم بالثبات خلال عامي 2015 و 2016 عند 2.4%، مقارنة بنمو 1.8% في عام 2014. أما الأسواق الناشئة والاقتصاديات النامية، فستحقق نمواً بواقع 4.3% في عام 2015، مقارنة بنمو 4.6% في عام 2014، لترتفع وتيرة النمو في عام 2016 إلى 4.7%، بحسب التوقعات الواردة في التقرير.
انخفاض أسعار النفط نتيجة العوامل المرتبطة بالعرض أعطى دفعاً قوياً للنمو العالمي إجمالاً، وللدول المستوردة للنفط خصوصاً، رغم تأثيره السلبي الكبير على اقتصادات الدول المصدرة للنفط. كذلك أدى تراجع عائد السندات الطويلة الأجل إلى مستويات قياسية في العديد من الاقتصادات المتقدمة إلى دعم مسيرة التعافي الاقتصادي، يقول التقرير، مؤكداً أن ذلك مثّل انعكاساً لانخفاض أسعار الفائدة الحقيقية، وليس التوقعات الخاصة بالتضخم. أما التغير الكبير الذى شهدته أسعار صرف العملات الرئيسية خلال الشهور القليلة الماضية، والذي يعكس التفاوتات في معدلات النمو والسياسات النقدية لدى مختلف دول العالم (وكذلك انخفاض أسعار النفط)، فيمكن أن تُسهم في تحسن آفاق الاقتصاد العالمي، من طريق إعادة توزيع الطلب في اتجاه البلدان التي تمر بأوضاع اقتصادية صعبة، ولا تتمتع بحرية الحركة من ناحية السياسات الاقتصادية، وهو ما يمكن أن يحدّ من مخاطر زيادة الأزمة المالية القائمة التي تعانيها هذه الدول وتداعياتها المحتملة، بحسب التقرير. علماً بأن الظاهرة الأبرز على هذا الصعيد كان ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي أمام العملات الرئيسية مثل اليورو (بسبب سياسة التيسير النقدي التي اتبعها المصرف المركزي الأوروبي أساساً) والين الياباني.
غير أن العوامل الإيجابية المذكورة أعلاه لم تمكّن الاقتصادات المتقدمة من تجاوز أزماتها، فظلت توقعات نموها متواضعة جداً، لأسباب بنيوية عديدة، منها ارتفاع معدل أعمار السكان، وضعف الاستثمارات، و«النمو الباهت» لكافة العوامل الإنتاجية، بحسب التقرير الذي يشير إلى غرق الاقتصادات تلك في دوامة، حيث إن التوقعات بانخفاض النمو تؤدى إلى ضعف الاستثمارات، ما يؤدي إلى تفاقم أزمة الاقتصادات تلك في الوقت الراهن على الأقل. يتحدث تقرير صندوق النقد بوضوح عن استمرار معاناة عدد من الاقتصادات المتقدمة وبعض الأسواق الناشئة من «موروثات» الأزمة المالية العالمية (لا يتحدث التقرير عن أزمة بنيوية في الاقتصادات تلك، بل عن «أزمة مالية» عابرة، لا غير)، مشيراً إلى «الفجوات الناجمة عن الانكماش الاقتصادي، وكذلك ارتفاع مستويات الدين العام أو الخاص أو كليهما»، وعن توقعات التضخم في معظم الاقتصاديات المتقدمة، والتي ما زالت أقل من المستويات المستهدفة، بل وتسجل انخفاضاً في بعض الحالات، ما يعني فعلياً استمرار الركود، على خلفية ارتفاع الديون العامة والخاصة، ومعدلات النمو المنخفضة، و«محدودية المجال أو انعدامه لتيسير السياسات النقدية».

(الأناضول، الأخبار)