قد تصل منظومة الـ«أس 300» إلى إيران، إحدى أهم المنظومات الدفاعية تطوراً في العالم، وقد لا تصل. إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتن إلغاء الحظر على توريد المنظومة إلى إيران، لا يعني أنها وصلت وباتت عملياتية في أيدي الحرس الثوري والجيش الإيرانيين. هي خطوة في الطريق، تعقبها خطوات... حتى الوصول إلى الهدف.

مع ذلك، جاءت التصريحات والمواقف والتحليلات وكأن المنظومة اكتسبت بالفعل «الجنسية الإيرانية». قلق إسرائيلي إلى درجة الصراخ، وكأن يوم القيامة قد حلّ بالفعل.

الولايات المتحدة تندّد بالخطوة غير الحكيمة، وأوروبا تراها متسرعة... أما العرب، «عرب الاعتدال»، فيضعون اليد على الخد ويعضّون على الشفة، في حين يمتلئ الاعلام بمحاولات البحث عن الأسباب والتداعيات، بين مؤيد ومعارض، ومن يكتفي بتوصيف المآلات وميزان القوى في المنطقة، لحقبة ما بعد الـ«أس 300».
طبعاً، من مصلحة موسكو أن تكون أول من يطرق الباب الإيراني في مرحلة ما بعد إنهاء العقوبات على إيران. وهنا تكون قد طرقت الباب قبل الجميع، إلا أن هذا السبب لا يكفي، وحده، لتفسير الخطوة. كذلك فإن «المصلحة الاستراتيجية المشتركة» بين طهران وموسكو حول قضايا المنطقة ومناطق النفوذ، لا تكفي هي أيضاً، وحدها، لتفسير الخطوة، إذ إن هذه المصلحة كانت موجودة في الماضي، قبل العقوبات على إيران وخلالها وستبقى في مرحلة ما بعد إلغائها.

موسكو منفتحة
على أي عروض أخرى تكون أكثر إفادة للمصلحة الروسية

والتطلع إلى فهم الخطوة الروسية بناءً على مواقف وتحليلات إسرائيل، الجهة التي تعد نفسها المعنية أكثر من الجميع بالصفقة، لا يمكن أن يوصل إلى تفسير مقنع. فالإسرائيليون معتادون لعب دور الضحية والصراخ والندب إزاء المسائل التي لا يقدرون على الحؤول دونها بأنفسهم، كذلك فإن الصراخ نفسه هو إحدى الوسائل التي تستخدمها تل أبيب لمنع تسليم المنظومة لإيران، إذ إنها خبرت أهمية الصراخ في الماضي، وأدركت أنه يساهم بالفعل في الإيصال إلى الهدف.
إلا أن رفض التفسير الأحادي للخطوة الروسية لا يعني أن أياً من هذه التفسيرات لم يلعب دوراً لدى صاحب القرار في موسكو، علماً بأنها لم تتعدّ حتى الآن كونها إعلان نيات من روسيا تجاه إيران، وربما أيضاً تجاه الآخرين.
من هنا، إلى جانب طرق الباب الإيراني، وأن تكون روسيا أول الواصلين إلى السوق الإيراني الجديد، وأيضاً تحقيق المصلحة المشتركة مع الإيرانيين في المنطقة، ولعب موسكو دوراً حيوياً وأساسياً فيها، يوجد أيضاً أسباب من أنواع أخرى، تطرحها موسكو من خلال قرار رفع الحظر عن الـ«أس 300»، وربما لا تقل أهمية عن الأسباب المتعلقة بإيران نفسها، وهي طرح القضية على الملأ بما يفهم منه «استدراج عروض» تجاه الجهات التي تريد أن تحول دون الصفقة.
هذا لا يعني أن موسكو غير جادة، وأنها ستمتنع في نهاية المطاف عن تسليم المنظومة لإيران، بل يعني، أيضاً، أنها منفتحة على أي عروض أخرى تكون أكثر إفادة للمصلحة الروسية من المصلحة المحققة من الصفقة نفسها، وإلا فإنها هذه المرة ستسلم المنظومة لإيران.
يوجد لدى موسكو مسائل وتحديات اقتصادية وأمنية، تسعى إلى إنهائها واحتواء مفاعيلها، وفي مقدمتها العقوبات الأميركية والأوروبية ربطاً بالأزمة في أوكرانيا، التي أضرّت بالاقتصاد الروسي بصورة كبيرة جداً. وإذا قبل الغرب بالمقايضة، أو بجزء منها، فلن تتردد موسكو في فعل ما فعلته في الماضي بتجميد الصفقة مع إيران وإلغائها. هذه هي الحالة التي خبرناها في الماضي ولجأت إليها روسيا، وتحديداً مع إيران ومع الـ«أس 300» بالذات، مرتين أو ثلاث مرات، في العقد الأخير.
على أي حال، لن تسلم موسكو الـ«أس 300» قبل نهاية العام الجاري، كما يتضح من تصريحات المسؤولين الروس، هذا إن سارت الأمور بسلاسة بين الجانبين بلا معوقات. وحتى تاريخه، طرحت روسيا ورقة المنظومة على طاولة المفاوضات، أملاً بجلب عروض، والكرة الآن في ملعب الآخرين، وإلا فقد تكتسب صواريخ الـ«أس 300»، هذه المرة، الجنسية الإيرانية.