الخليل ــ سامي سعيد


من الصعب أن تسير في شوارع البلدة القديمة في مدينة الخليل، التي أصبح معظمها مهجوراً، من دون أن تشعر بشيء من الخوف، وخصوصاً أنك تسير وسط عشرات الجنود الإسرائيليين المستنفرين على الدوام والمدجّجين بأحدث المعدات العسكرية والبوابات الحديدية الإلكترونية والكاميرات التي تصور كل تحركاتك وتعدّ عليك خطواتك

  • الاحتلال يشنّ حرباً على التاريخ العربي والإسلامي للبلدة... لتهويدها

    السير في شوارع البلدة القديمة في الخليل جنوب الضفة الغربية، محفوف دوماً بالمخاطر والإشكاليات، فأي حركة يمكن أن يأتي بها الشخص وسط الشوارع الضيقة والأسواق المغلقة، يمكن أن تجعل أحد الجنود الإسرائيليين أو المستوطنين يضغط على زناد بندقيته ويطلق الرصاص.
    فالقتل في الخليل، وفي البلدة القديمة خصوصاً، أمر طبيعي جداً ويحدث لأتفه الأسباب أو حتى من دون سبب، حيث يعاقب عشرات آلاف الفلسطينيين بسبب وجود بضع مئات من المستوطنين المتطرفين وسط المدينة، بحماية وعربدة فرق من جيش الاحتلال الإسرائيلي.
    «ثكنة الحرم»
    بُنيت بيوت البلدة القديمة وأسواقها وأزقتها قرب وحول الحرم الإبراهيمي، الذي يُعتقد أنه بُني في المكان الذي يضم قبر النبي إبراهيم، الذي يحظى بمكانة مقدّسة لدى الديانات السماوية الثلاث.
    الحرم الإبراهيمي تحوّل اليوم، بفعل الحصار العسكري الإسرائيلي المشدّد، إلى ثكنة بدلاً من أن يكون مكاناً مقدّساً للعبادة والصلاة؛ فالمسجد محاصر بالبوابات الإلكترونية اللولبية التي تخنقه من كل جهاته، عدا عن انتشار عشرات الحواجز الثابتة ونقاط المراقبة فوق سطوح المنازل المحيطة به، إضافةً إلى الإجراءات العنصرية التي يقوم بها قطعان المستوطنين، بحماية جنود الاحتلال، من اعتداء على الحرم والعبث بمحتوياته، في محاولة لتغيير معالمه الأثرية. كما يمنع رفع الآذان في الحرم، وخصوصاً في أيام الأعياد عند اليهود.
    تهويد
    بدأت القوات الإسرائيلية، منذ احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، تشنّ حرباً على التاريخ العربي والإسلامي للبلدة القديمة في الخليل لتهويدها، وذلك عبر طرد السكان الأصليين والاستيلاء على منازلهم وعقاراتهم وإغلاق الأسواق التجارية وتحديد حركة المواصلات والمواطنين.
    وغدت البلدة القديمة، التي يعود تاريخ مبانيها إلى العهد الأيوبي والمملوكي والعثماني، في وضع صعب جداً بفعل تغلغل المستوطنين في ثناياها. وأصبحت مدينة أشباح لا تتحرك فيها سوى قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين والقليل من المواطنين الفلسطينيين الذين يُنكَّل بهم ويُشدّد الخناق عليهم، حتى لا يعودوا إليها ويهجروها.
    ويعيش من بقي من المواطنين في البلدة القديمة في ظروف صعبة للغاية، داخل منازلهم التي تحوّلت إلى ما يشبه السجون. وفي مثال حيّ على ذلك، يمنع أصحاب منازل عائلة المحتسب في حارة السهلة في البلدة من الخروج إلى سطوح منازلهم، التي تحيط بها البوابات الحديدية المغلقة. ويقول أحد أفراد العائلة إن دخولهم إلى المنازل وخروجهم منها «بات مغامرة خطيرة».
    ويعيش أهالي البلدة القديمة «حصاراً داخل حصار»؛ فمحافظة الخليل محاصرة ومفصولة عن مدنها وقراها، والبلدة القديمة معزولة عن باقي المدينة. وأحياؤها معزولة بعضها عن بعض. حتى الحي الواحد مقسّم إلى أجزاء. كما يُفرض حظر التجوال لأشهر طويلة على السكان.
    ويروي أحد أطباء المدينة، لـ «الأخبار»، قصة امرأة في العقد السادس من عمرها تدعى أم محمد الجعبري، لم تتمكّن من الخروج من المستشفى، رغم السماح لها طبياً، بسبب عدم حصولها على تصريح للوصول إلى منزلها الكائن في منطقة «تل الرميدة»، القريبة من مستوطنة «تل الرميدة»، حيث يُمنع الفلسطيني من الخروج من منزله أو المرور في إحدى تلك الحارات إلا بتصريح أو تنسيق مع قوات الاحتلال.
    وعن الإغراءات المالية التي يتعرض لها أهالي البلدة من المستوطنين من أجل الرحيل عنها، يقول نضال العويوي: «عرض المستوطنون عليّ مبلغ مليون دولار لأخلي منزلي، وعندما رفضت قالوا ستخسر أولادك. وكانت زوجتي حاملاً، ويوم الولادة اتصلت بالإسعاف، لكن جيش الاحتلال منع السيارة من الدخول».
    ويضيف العويوي «وضعت زوجتي المولود في المنزل، لكن الطفل لم يكن في وضع جيد، فذهبت مجدداً إلى الجيش ليسمح للإسعاف بالدخول، فرفض، وعدت لأجد ابني قد توفي بعد أربع ساعات من ولادته».
    وتحيط بالبلدة القديمة ومدينة الخليل بؤر استيطانية ميزتها الوحيدة أنها تتوسّع يومياً بإرهاب السكان والسيطرة على عقارات ومصادرة بنايات جديدة والاحتيال والادعاء بشراء المنازل من أصحابها.
    وفي مبنى قديم تم ترميمه، يسمى قصر الدويك في البلدة القديمة، هناك مكاتب لجنة إعمار الخليل، التي تنفذ مشاريع ترميم وتقدّم خدمات إلى السكان بتمويل فلسطيني ودولي.
    وتحدّث المدير الإداري ومسؤول العلاقات العامة في هذه اللجنة عماد عبد الله حمدان عن أهدافها، مشيراً إلى أنها تأسست في 12 آب 1996، وحققت إنجازات عديدة بترميم مبان في محيط البؤر الاستيطانية، ونتيجةً لهذه الجهود ارتفع عدد سكان البلدة القديمة من 400 عام 1996 إلى نحو 3000 الآن.
    ويقول أيسر الناظر، من ورثة أحد المنازل التي تمّ الاستيلاء عليها من جانب المستوطنين في باب الخان في البلدة القديمة، إنه يملك هذا المنزل منذ ما يقارب مئة وسبعين عاماً، مشيراً إلى أنّ لديه الوثائق والطابو التركيّ وإخراجات قيود باسم المالكين، وهم ورثة العائلة منذ عشرات السنين. وأوضح أن المنزل كان مأهولاً إلى أن أعلن الاحتلال الإسرائيلي البلدة منطقة عسكرية مغلقة «ولم يُسمَح لهم بالدخول إلى المنزل»، مشيراً إلى أن المستوطنين الذين استولوا على المنزل ألقوا مقتنيات العائلة وأثاث المنزل والأشياء التاريخية خارجه.
    تدمير ممنهج
    تستمر قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين في العمل الحثيث على تدمير «التراث العالمي». في الأشهر الماضية، هدمت هذه القوات مباني تاريخية شرق الحرم الإبراهيمي تعود إلى العصر المملوكي. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتم فيها هدم مبان كتلك، مع استمرار صمت المنظمات الدولية المعنية في العالم.
    ولا تقتصر الاعتداءات الإسرائيلية على هدم المباني التاريخية، لكن أيضاً على الاستيلاء على المنازل. وخلال الأشهر الماضية، استولت سلطات الاحتلال على خمسة مباني ومسجدين، وهدمت 8 مبان، وأغلقت 13 شارعاً و587 محلاً تجارياً. أمّا أصحاب المحالّ الباقية، فمنهم من أُغلقت أبواب محالّهم نهائياً، ومنهم من يحاول الصمود في وجه هذه الغطرسة الإسرائيلية ويفتح أبوابه على الرغم من غياب المتسوقين.
    وفي هذه الأيام هناك 20 نقطة مراقبة عسكرية لجيش الاحتلال فوق سطوح مبان مأهولة، و30 حاجزاً أسمنتياً وترابياً، و7 حواجز متفرقة.
    وعندما يخرج الزائر من البلدة القديمة، متجاوزاً كل هذه العوائق ونقاط التفتيش والمراقبة، يشعر فعلاً بأنه غادر للتو «وكر الثعابين».

    تاريخ متعدّد الأديان
    نشأت مدينة الخليل في موقع له خصائص مميزة ساهمت في خلق المدينة وتطوّرها ونموها. وهي تقع في جنوب غرب الضفة الغربية. وأنشئت على سفحي جبل الرميدة وجبل الرأس.
    وتشير الآثار إلى أن تاريخ الخليل يعود إلى أكثر من 3500 عام قبل الميلاد، حيث كانت تدعى «قرية أربع» نسبة إلى مُنشئها الملك أربع العربي الكنعاني المنتمي إلى قبيلة العناقيين.
    وحكم الكنعانيون المدينة في الفترة ما بين 3500 و1200 قبل الميلاد. ووفد إليها النبي إبراهيم في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، ودفن فيها هو وزوجته سارة وولده إسحاق وزوجته رفقة، ويعقوب وولده يوسف بعدما نُقل رفاتاهما من مصر.
    ومن المعالم العمرانية للمدينة، المسجد الإبراهيمي، الذي يُعدّ من أهم المنشآت المعمارية التي ارتبطت باسم الخليل، ويقع إلى الجنوب الشرقي من المدينة الحديثة. ويحيط بالمسجد سور ضخم يُعرف بالحير، بني بحجارة ضخمة بلغ طول بعضها ما يزيد على سبعة أمتار بارتفاع يقارب متراً. ويرجّح أن السور من بقايا بناء أقامه هيرودوس الأدومي في فترة حكمه للمدينة (37 قبل الميلاد – 4 م).
    ومن المعالم أيضاً، كنيسة المسكوبية، التي تقع في حديقة مضيفة الروم الأرثوذكس في ظاهر المدينة الغربي. وبُنيت في مطلع هذا القرن، وهي الموقع الوحيد الخاص بالمسيحيين في المدينة، ومساحتها 600 متر مربع تقريباً اتخذت في مخططها شكل الصليب.