حيفا ــ فراس خطيب


كان من الممكن أن يكون عدوان تموز على لبنان أوسع مما كان عليه، بناء على ما كشف عن دعوات عربية وأميركية وأوروبية لضرب سوريا، وهو ما لم يحدث، ما أثار امتعاضاً أميركياً


كشف الكتاب الإسرائيلي «أسرى في لبنان ـــــ الحقيقة عن حرب لبنان الثانية»، الصادر أخيراً عن دار نشر «يديعوت أحرونوت»، أنّ الإدارة الأميركية ودولاً عربية معينة وجهات أوروبية حثّت إسرائيل على توجيه ضربات عسكرية لسوريا أثناء عدوان تموز. كما كشف أنَّ عضو الكنيست الإسرائيلي، في حينه، والوزير الحالي أفيغدور ليبرمان، اقترح على رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت قبل ستة أيام من عملية الأسر، توجيه ضربةٍ عسكرية إلى سوريا.
وأشار الكتاب إلى أنَّ جنرالاً في الاستخبارات العسكرية اقترح على قائد هيئة الأركان الإسرائيلي في حينه دان حالوتس عملية إنزال لوحدات إسرائيلية خاصة في تخوم بيروت. وأوضح أنَّ الجيش الإسرائيلي، قبل قيامه بعمليات الإنزال، ارتكز في معلوماته الاستخبارية على استنتاجات، لا على حقائق واضحة، وهو ما لم يعرفه أولمرت.
ليبرمان يقترح ضرب دمشق
وقال الكتاب، الذي ألّفه الصحافيان عوفِر شيلَح ويوآف ليمور، إنه في السنوات التي سبقت الحرب على لبنان، ومنذ أن بلور الرئيس الأميركي جورج بوش منظوره «محور الشر»، الذي يضم إيران وسوريا وكوريا الشمالية، «أوضحت الولايات المتحدة بطرق عديدة لإسرائيل أنها ستكون سعيدة جداً إذا وجهت إسرائيل ضربة إلى سوريا في إطار ترتيب الوضع في لبنان، وأوضحت للرئيس السوري بشار الأسد تبعات نهجه المعادي لأميركا عند حدود سوريا ـــــ العراق، وأن تسهم إسرائيل بقسطها لاجتثاث علاقة طهران ـــــ دمشق ـــــ بيروت».
ويكشف الكتاب أنَّ عملية ضرب سوريا على يد الإسرائيليين طرحت قبل اندلاع حرب لبنان، حيث اجتمع أولمرت وليبرمان، الذي اقترح في حينه على رئيس الوزراء تصفية رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل. وردّ عليه أولمرت بالقول: «سيستشيط السوريون غضباً». فردّ ليبرمان: «فليستشيطوا. ستكون هناك فوضى ثلاثة أيام. وأنت تستطيع من بعدها استغلال هذا من أجل إحداث الترتيب الذي تريد. أن تقصف سوريا وتضرب حزب الله في لبنان. وبعد ثلاثة أيام، سيخاف العالم وسيطلب منا وقفاً لإطلاق النار. ستكون الصدمة كبيرة حتى تخاف حماس وتعيد إلينا جلعاد شاليط».
أولمرت رفض اقتراح ليبرمان. وبعد يوم واحد من قيام حزب الله بأسر الجنديين الإسرائيليين، اجتمع أولمرت بليبرمان مرة أخرى. عندها قال ليبرمان لأولمرت: «أرأيت. لو أنك استمعت إلى نصيحتي لما جرى كل هذا».
رسائل أميركية
وأضاف الكتاب أن مسؤولين إسرائيليين اجتمعوا في السنوات الماضية مع نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ووزير الدفاع الأميركي في حينه دونالد رامسفيلد وخرجوا بشعور واضح مفاده أن «الولايات المتحدة تكاد تطلب من إسرائيل إيجاد ذريعة لتضرب سوريا، وأن الصقور في البيت الأبيض ووزارة الدفاع عرضوا هذه المهمة على أنها بمثابة مهمة يجب على إسرائيل القيام بها بصفتها حليفة الأميركيين في المنطقة».
وأشار الكتاب إلى أنه «في الأيام الأولى لحرب لبنان، تجدّدت هذه الرسائل بقوة أكبر». ونقلت جهات أمنية إسرائيلية في واشنطن للقيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل تقارير مفادها أن الأميركيين يريدون «أن نقحم سوريا» في الحرب، حيث نقل سفير إسرائيل لدى واشنطن داني أيالون أقوالاً بروحية مشابهة لأولمرت. واستمع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق موشيه يعلون، الذي كان في حينه في واشنطن بصفة شخصية، لأقوال مشابهة من مسؤولين في قيادة الإدارة الأميركية جاء فيها: «إذا احتجتم إلى أي مساعدة، فإننا سنهتم (بتزويدكم) بكل شيء من معلومات استخبارية وسلاح وكل ما تحتاجون إليه».
وأشار المؤلفان إلى أقوال الرئيس الأسبق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) جيمس وولسي في «مؤتمر هرتسيليا»، الذي يعقد في إسرائيل في نهاية كل عام، ورأى فيها أن «إسرائيل أخطأت بعدم مهاجمة سوريا في الصيف الأخير» أي أثناء حرب تموز الصيف الماضي. وأكدا أن أقوال وولسي عبّرت بشكل صريح عما قيل خلال الحرب في الغرف المغلقة.
رسائل عربية وأوروبية
وجاء في الكتاب أيضاً أن الولايات المتحدة لم تكن المعنية الوحيدة التي حاولت دفع إسرائيل إلى مواجهة مع سوريا، إذ أشار إلى أن «دولاً عربية معينة شعرت بأنها مهددة من جانب المحور الإيراني ـــــ السوري، مررت رسائل لإسرائيل جاء فيها أن توجيه صفعة لدمشق ستقابل بالترحاب».
كذلك انضمت جهات أوروبية غاضبة على سوريا منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى «جوقة التشجيع» من وراء الكواليس.
انقسام إسرائيلي
وكان هناك خلاف في الآراء في إسرائيل حيال هذه الضغوط لضرب سوريا، إضافة إلى وجود موقف صاغه الجيش الإسرائيلي مفاده أن «أحد أهداف القتال هو أن تبقى سوريا خارج الحرب».
وقد شدّد وزير الدفاع في حينه عامير بيرتس على هذا الموقف مرات عديدة خلال الحرب في اجتماعات الحكومة الإسرائيلية المصغرة للشؤون السياسية والأمنية. كذلك فإن «التعليل الأساسي لمعارضة قائد هيئة الأركان (في حينه)، دان حالوتس، لعملية عسكرية برية أوسع (في جنوب لبنان) هو خطر اندلاع مواجهة مع سوريا».
أما نائب رئيس الأركان موشيه كابلينسكي فقد أيد ضرب دمشق. وقال، في مداولات عسكرية داخلية في يوم 12 تموز، أي يوم اندلاع الحرب، إنه «قد تنشأ فرصة لضرب سوريا، وإذا كانت نشأت فرصة كهذه فعلاً فإنه يجب استغلالها».
وأيّد رئيس الموساد مائير داغان في 12 تموز مهاجمة أهداف سورية. وتحدّث في اجتماع لدى أولمرت، سبق اجتماع الحكومة الإسرائيلية بعد هجوم حزب الله وأسر الجنديين الإسرائيليين في صبيحة اليوم نفسه، عن «هجمات انتقائية في سوريا».
وبعد ذلك بيومين، وخلال اجتماع السباعية، الذي يضم أولمرت ونوابه ووزير الأمن الداخلي أفي ديختر، وتقرر فيه قصف ضاحية بيروت الجنوبية، تحدث ديختر عن إمكان مهاجمة سوريا.
وبحسب الكتاب فإن أولمرت، الذي كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية تكيل له المديح خلال الأيام العشرة الأولى للحرب، أخذ يفكر في إمكان مهاجمة سوريا، ورغم أنه لم يتحدث في الموضوع في اجتماعات رسمية، لكن مقربين منه أكدوا أن الفكرة بدأت تعجبه، لكن قسماً من هؤلاء المقربين حذروه من الإقدام على تنفيذ ذلك وطالبوه بعدم الانصياع للمطالب الأميركية.
ويبدو، بحسب الكتاب، أن ما حسم الأمر لمصلحة عدم مهاجمة سوريا كان حالة الجيش الإسرائيلي المتردية وعدم قدرته على مواجهة دمشق؛ ففي اليوم الأول للحرب، طالب قائد الجبهة الشمالية في الجيش الإسرائيلي أودي آدم بتجنيد لواء في قوات الاحتياط للدفاع عن هجوم محتمل لوحدات كوماندوس سورية، لكن بدلاً من ذلك تم إرسال كتيبة نظامية ونشرها في جبل الشيخ والمناطق الواقعة غربه، الأمر الذي أفقد هذا القطاع من الجبهة أي أهمية دفاعية، فيما تم تجنيد لواء احتياط فقط في 17 تموز بعد ورود معلومات عن حالة استنفار في صفوف قوات الكوماندوس السورية.
قوات الاحتياط المدرعة الإسرائيلية، التي كانت غايتها الدفاع عن الجولان، لم تجنّد بتاتاً سوى في وقت متأخر ووجّه معظمها إلى الجبهة اللبنانية.
وألّف حالوتس طاقماً برئاسة قائد شعبة التنصت أودي شيني، وكلّفه إعداد تقرير عن وضع الجيش واستعداده لحرب مع سوريا، لكن نتيجة التقرير كانت واضحة للغاية وجاء فيها: إن الجيش الإسرائيلي «ليس مستعداً لتطور كهذا».
كذلك اتضح بعد الحرب أن سلاح الجو الإسرائيلي ما كان بمقدوره مهاجمة أهداف كثيرة في سوريا بسبب انشغاله المفرط في الغارات على لبنان، إضافة إلى أن الذخيرة التي تستخدمها المقاتلات الإسرائيلية أخذت تنقص في مخازن الجيش.
وفي موازاة كل ذلك، بعثت الحكومة الإسرائيلية رسائل تهدئة إلى سوريا عبر قنوات أجنبية تفيد أنه لا نيّات لدى إسرائيل بمهاجمتها.
لكن الأميركيين لم يكونوا راضين عما رأوا أنه «تردد إسرائيلي». ونقل الكتاب عن مسؤولين أميركيين كبار قولهم لمندوبين إسرائيليين «يبدو أنكم تخافونهم» أي السوريين. و«كان الشعور في واشنطن بأن إسرائيل أظهرت ضعفاً تجاه سوريا سيكون له تأثير بالغ في أماكن مؤلمة للغاية بالنسبة إلى الأميركيين».
إنزال في بيروت
يكشف الكتاب أيضاً أنّه في اليوم السابع للحرب على لبنان، تحدث حالوتس إلى جنرال الاحتياط رونين، وهو أحد ابرز الجنرالات في شعبة الاستخبارات العسكرية ومن أكثرهم تجربة في قضية جمع المعلومات الاستخبارية عن الحملات الخاصة. عندئذ اقترح رونين إنزال المئات من الجنود الإسرائيليين التابعين للوحدات الخاصة في تخوم بيروت ومن هناك «ينقضون على أهداف تابعة لحزب الله في قلب العاصمة اللبنانية».
وحسب الكتاب، رفض حالوتس الاقتراح، ورأى أن الأمر «مخاطرة كبرى» لأنَّ تنظيم حزب الله يملك الكثير من المؤيدين في بيروت. لكنّ «الرمزية» ذاتها، عن إنزال قوات كوماندوس إسرائيلي لـ«العمل بقوة في الجبهة الداخلية لحزب الله أعجبته». ويوضح الكتاب أنّ «صورة الانتصار» هذه، هي التي بحث عنها حالوتس.
وقال حالوتس لرونين في حينه «اجلبوا لي رمزاً آخر»، وعندئذ ولدت فكرة إنزال القوات الخاصة الإسرائيلية في بعلبك وصور.
اقتراحات إنزال قوات خاصة في لبنان لم تكن فقط من جانب جنرال الاحتياط رونين. في الثاني من آب، بعد نهاية وقف إطلاق النار الجزئي في أعقاب مجزرة قانا الثانية، أشار الكتاب إلى أنّ جنرالات في القيادة العسكرية الاسرائيلية اقترحوا على حالوتس انزال قوات كبيرة في قلب بيروت. وقال أحد هؤلاء الجنرالات لحالوتس: «نحن سنعرف كيف سنحافظ عليها (على القوة). وهذا سيجعل العالم كله يصرخ من أجل وقف إطلاق النار»، إلا أنَّ حالوتس رفض الاقتراح أيضاً.
ويشير الكتاب الى أنّ وحداتٍ اسرائيلية خاصة عملت في لبنان خلال الحرب وقوّمت ميدانياً الوضع العسكري وساهمت في انجازات. ونفّّذ الجيش الاسرائيلي خلال حرب لبنان الثانية 24 حملة عسكرية خاصة قام بها جنود من وحدات النخبة. إلا أنّّ هذه الحملات لم تنجز أي شيء يذكر للإسرائيلين، ولم تحقق أهدافاً ولم تزودهم بـ«رمز للانتصار»، ما أغضب اولمرت.
ويكشف الكتاب عن أنّ أولمرت قال لحالوتس: «لقد كبرت على أسطورة «عينيتبة» (حملة قامت بها وحدة الجيش الاسرائيلي لتحرير رهائن اسرائيليين في اوغندا بعد اختطاف طائرتهم على أيدي فدائيين. يعدّها الاسرائيليون من أهم الحملات وأنجحها، إذ سيطروا على الطائرة وحرروا الرهائن)». واضاف «في الايام العادية، تجلبون لي دائماً حملات من أجل المصادقة عليها. والآن أنتم لا تفعلون شيئاً. كونوا مبدعين».
ويضيف الكتاب إنه كان من الواضح أن حالوتس كان يعرف أنّ «ضرب شاحنة آتية من سوريا إلى لبنان لن يكفي رئيس الوزراء».
بعد رفض اقتراح بيروت، خطط جنرال الاحتياط رونين لانزال في بعلبك. واقترح أسساً لتنفيذ الحملة منها انزال 600 جندي اسرائيلي هناك لأيام. وادعى أن «مجرد وجود القوة سيزعزع شعور قادة حزب الله في جبهته. وسيخلق تهديداً على قادته. وسيوضح أن اسرائيل لا تخاف من شيء». وضع الإسرائيليون أيضاً قضية تحرير الجنديين الأسيرين في لبنان نصب أعينهم. رأى حالوتس واولمرت أن إعادة الجنديين ستعيد الثقة إلى الشعب الاسرائيلي والفخر الى الجيش. ولكن المشكلة كانت في «طرف خيط» استخباري.
كان طرف الخيط حسب الإسرائيليين معتمداً على الاستنتاج لا على معلومات واضحة وأكيدة. كان الحديث يجري، حسب الكتاب، عن طبيب ايراني، من حرس الثورة الإيرانية، احتاج إليه حزب الله في أكثر من مرة لتقديم علاجات في أوضاع سرية.
حاول الجيش الاسرائيلي خلال الحرب، وقبل حملة بعلبك، الوصول الى الطبيب الايراني، لكنه لم ينجح. ومن بعدها اختفى الرجل. ويشير الكتاب إلى انه عندما خرجت القوات الاسرائيلية إلى الحملة، كان الجيش الاسرائيلي يعرف تماماً أنهم لن يجدوا الطبيب الايراني.
ويكشف الكتاب أن اولمرت لم يعرف بهذه المعلومات مطلقاً، وصادق على الحملة قبل ساعات من حدوثها.
دغان وديسكن ضد حالوتس
ويكشف الكتاب أيضاً أن رئيس الموساد مئير دغان، ورئيس الشاباك يوفال ديسكين اجتمعا «اجتماعاً نادراً» مع اولمرت في مكتبه. دخلا الى هناك، وطلبا من السكرتير العسكري غادي شمني أن يترك الغرفة. وقالا لأولمرت «الحرب على لبنان كانت مصيبة وطنية. اسرائيل تلقت ضربة قاضية». وطلبا منه اقامة لجنة تحقيق.

التقرير النهائي لفينوغراد في أيلول أو تشرين

أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية أن لجنة فينوغراد تسعى إلى أن يكون موعد نشر تقريرها النهائي عن عدوان تموز مطلع شهر أيلول المقبل.
وأشارت صحيفة «معاريف» إلى أنه إذا لم تتمكن اللجنة من إنهاء عملها حتى هذا الوقت، فإنها سترجئ نشر التقرير حتى شهر تشرين أول، وذلك حتى لا يتزامن نشر التقرير خلال شهر أيلول مع الأعياد اليهودية المصادفة في هذا الشهر، ما قد يؤدي إلى التأثير سلباً على أجوائها العامة.
وكشفت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلية أول من أمس أن اللجنة لن تصدر رسائل تحذيرية ضد أي من المسؤولين الإسرائيليين تقضي بإعفائهم من مناصبهم.