باريس ــ بسّام الطيارة


بعد ساعات معدودة من تسلّمه منصبه، طار نيكولا ساركوزي بلباس الرئيس الجديد لمقابلة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. ويرى العديد من المراقبين في ذلك إشارة إلى رغبة ساركوزي بـ«تعبئة منصبه» بالمهام المخصصة لرئيس الجمهورية، وهي العلاقات الخارجية والقوات المسلحة والسياسة العامة للبلاد، أي ما يعرف «بالحقل الخاص»، مع إعطاء «توجيهات للحكومة» في ما يتعلق بالمسائل الإجرائية.
وقد بدا هذا التوجه بارزاً من لائحة الأسماء المتداولة للوزراء، الذين سيرأسهم فرانسوا فييون.
ويبدو واضحاً أن «رغبة الرئيس بالانفتاح على الوسط واليسار هي جدية» وأفضل برهان على ذلك، التململ الذي بدأ يطفو على سطح بحيرة حزب الأكثرية والمؤيدين التاريخيين لساركوزي، الذي تتضمن وعوده الانتخابية التي أعاد تأكيدها: «حكومة مصغرة لا يتجاوز عددها الخمسة عشر، تتضمن عدداً من النساء». وقد اكتفى «المستوزورن» المقربون من ساركوزي بحساب عدد الوزراء الأربعة المحسوبين على الوسط المدعوين للمشاركة إلى جانب ثلاثة وزراء تم «جذبهم من اليسار» وعدد «الوزيرات» المطروحة أسماؤهن ليدركوا أن الباقي لهم لا يتعدى الفتات، وأن الأولوية ستكون لمقربين من شيراك مثل ألان جوبيه في وزارة ضخمة إضافة إلى ميشال أليو ماري «المحفوظة الحقوق».
ولكن إذا وضعنا جانباً الكيدية والشعور بالحرمان الذي يجتاح الوسط الساركوزي، فإن بعض الأسئلة بدأت تطرح «حول سياسة العهد» في ظل «هذا التناقض الكبير في تاريخ من ستجمعهم الحكومة الجديدة».
فإلى جانب الانفتاح على اليسار، لم يأتِ ساركوزي في خطابه الأول ولو مرة واحدة على كلمة «قطيعة». وهو أمضى يومين يستقبل النقابيين ليقول لهم إنه مستعد لمناقشة طروحاته المتعلقة بالعمل وساعاته معهم في الخريف.
ولكن أفضل مثال هو في السياسة الخارجية، التي ستكون تحت إمرة برنار كوشنير المعروف بدفاعه عن حقوق الإنسان ودعمه لمبدأ «تجاهل سيادة الدول» للغاية هذه. إلا أن ساركوزي، بعد الاتفاق معه مبدئياً، أعلن إنشاء «مجلس أمن قومي» شبيه بما هو موجود في الولايات المتحدة، وقد اختار لرئاسته سفير فرنسا في واشنطن، جان دافييد ليفيت، وهو معروف بأنه «شيراكي من الدرجة الأولى». وستكون من مهمات هذا المجلس «تقديم الأفكار والاقتراحات» في ما يتعلق بالملفات الدولية.
وعلمت «الأخبار» من مصادر موثوقة أن هذا المجلس ستكون مهامه حصر القرارات المتعلقة بأمن الدولة على كل الصعدة وأنه سيضم نحو ثمانية دبلوماسيين من وزارة الخارجية إلى جانب ثمانية خبراء وضباط من وزارة الدفاع وأربعة ممثلين لأجهزة المخابرات، كما يمكن الاستعانة بعدد من الخبراء المتخصصين من الجامعيين والبحاثة لا يتجاوز عددهم الثمانية، وسيكون مركزه في قصر الإليزيه.
ويتساءل بعض المراقبين عن إمكان تسيير سياسة فرنسا الخارجية في ظل وجود «قطبين» من ذوي الشخصيات القوية في هذا الحقل يترأسان تنظيمين (وزارة الخارجية والمجلس الجديد) إلى جانب ساركوزي.
وقد صرح بعض المقربين من كوشنير بأنه «ناقش تفاصيل هذا التعاون» مع الرئيس، وأنه حصل على «هامش مناورة» حتى في ما يتعلق بأمور بعيدة عن السياسة الخارجية مثل «مسألة الهوية الوطنية والمهاجرين»، إذ إن الوزير المنتظر في «الكي دورسيه» له مواقف «اشتراكية يسارية متطرفة» في هذه المسائل، وهي على نقيض التعهدات الانتخابية اليمينية لساركوزي. وكان كوشنير قد جاهر بها في خطاباته إلى جانب سيغولين رويال حين كان يدعمها خلال حملتها الخاسرة. فهل تغيّر كوشنير أم تغيّر ساركوزي؟