قبل أيّام قليلة فقط، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفع الحظر عن توريد الـ «أس300» لإيران، ومنذ ذلك الحين، شُغلت دول عديدة في العالم بتحليل الأسباب والنتائج من هذا الإعلان، دون إغفال ربطها بالاتفاق النهائي المرتقب حول الملف النووي الإيراني، وبـ «التحالف» العربي لضرب اليمن، الذي يستهدف، بحسب الضالعين به، النفوذ الإيراني في الخليج.

وخلف كلّ هذا الضجيج، كسر بوتين دائرة الأقاويل وأكد في مقابلته السنوية، أن هذه المنظومات ذات الطابع الدفاعي البحت تمثّل عامل ردع في المنطقة، ولا سيما على خلفية الأحداث في اليمن، وربطها بإيجابية إيران في المفاوضات النووية، فما هي هذه المنظومة الدفاعية التي تثير قلق واشنطن وتزعج تل أبيب؟

الـ «أس300» هي منظومة دفاعية بعيدة المدى تملك قدرة عالية على ردع الأهداف المتحرّكة مثل الطائرات والصواريخ البالستية، ظهرت لأول مرة في الاتحاد السوفياتي عام 1979، وتصنعها شركة «ألماز ـ أنتي» التي تديرها الدولة الروسية، والتي باشرت صنع منظومات أكثر تطوراً وهي الـ «أس400»، ستتولى روسيا توريدها إلى الصين بموجب اتفاق بين بكين وموسكو. أربعة أجزاء مترابطة تؤلف الـ «أس300»، تبدأ برادار رصد تصل قدرته إلى رصد الأهداف على بعد 300 كم، يرسل الداتا إلى مركبة القيادة التي بدورها تبعثها إلى رادار آخر يوصلها إلى مركبة الإطلاق القادرة على ضرب ستة أهداف في وقت واحد، بحسب موقع «المعهد البريطاني الملكي للدراسات الدفاعية والأمنية».

الهدف الحقيقيّ لموسكو من صفقة «أس 300» أن تمهّد الطريق لبناء حلف أكبر مع طهران قائم على أسس واقعيّة

لا شك إذاً أن هذه المنظومة الدفاعية لا تضرّ إيران بشيء، بل على العكس، تزيد من قدراتها الدفاعية، ولكن في الواقع المستفيد الأكبر من هذه الصفقة ليست إيران، بل روسيا. فماذا تريد روسيا حقّاً من من توريد هذا السلاح الدفاعي إلى إيران؟
تزامن رفع روسيا الحظر عن صفقة البطاريات الدفاعية، مع اعلان يوازيها أهمية، رغم أنه لا يرتبط بأي نوع من أنواع الأسلحة، لكنه ذو طابع اقتصادي وتجاري ويحمل دلالات تبرّر إلى حد كبير قرارات موسكو الأخيرة. فقد أعلن نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف أن بلاده ستزود إيران بالحبوب والمعدات ومواد البناء في مقابل إمدادات من النفط الخام، وذلك في إطار اتفاق مقايضة بين البلدين، وشرعت بالفعل في مقايضة النفط بالغذاء، وبالتالي فالجانب الاقتصادي للقرار الروسي واضح جدّاً، فمثل هذا الاتفاق سيساهم بزيادة المعروض العالمي من النفط ما سيخفف الضغط على الأسعار ويصبّ في المصلحة الروسية.
إذاً تسعى روسيا إلى إعادة بناء الجسور التجارية والاقتصادية مع إيران، هذه الجسور التي تصدّعت بعد فسخ موسكو العقد المتعلّق بالمنظومات الدفاعية عام 2010. وبقراءة المسؤولين الروس للأجواء الإيجابية المتعلّقة بالاتفاق النهائي بين الدول الكبرى وإيران في حزيران المقبل، تدرك موسكو أنه سرعان ما ستُرفع العقوبات عن طهران وستنتج عن ذلك بطبيعة الحال تبادلات تجارية، في مجالات كافة، بينها وبين الغرب الذي انقطعت عنه طويلاً. وبذلك، تحفظ روسيا مكانةً لها في مجال تجارة السلاح مع الإيرانيين، وتستبق ربما بحث إيران عن مورّد آخر للأسلحة يأخذ مكان الروس، وهو أمر يرتبط بالنسبة الى موسكو بأمن البلاد القومي، فلن تسمح روسيا بأن يأخذ الغرب الأفضليّة بمجال تجارة السلاح في مناطق قريبة من حدودها.
وعكس ما هو متوقع، فالعلاقة الروسية الإيرانية مرّت بمطبات عديدة، ويبرّر الخبير في «معهد الشرق الأوسط» في موسكو نيكولاي كوزهانوف في دراسة له نشرت في معهد «واشنطن» بعنوان «العلاقات الروسية الإيرانية: حوار دون التزامات»، بأن هذا التذبذب في العلاقات الروسية الإيرانية يرجع إلى «عدم وجود استراتيجية روسية عملية واضحة تجاه إيران؛ وفي المقابل تتعامل موسكو مع جارتها الجنوبية وفقاً لكل حالة على حدة ثم يتغير تصرفها مع طهران تبعاً لذلك». تبعاً لذلك، تجد موسكو اليوم أولوية في إعادة تثبيت هذه العلاقة مع الجارة الإيرانية شريكة موسكو في قضايا إقليمية بارزة، وأبرزها قضية بحر قزوين الذي تتشارك روسيا وإيران وبعض دول آسيا الوسطى شواطئه والذي لا تزال تتباحث فيما بينها حول كيفية توزيع مياهه الإقليمية وبالتالي توزيع الموارد الطبيعية وخاصة الغاز الطبيعي الموجود في باطنه.
كذلك، فإن الطرفين، الروسي والإيراني، سعيدان بمثل هذا التعاون، فقد انكسر الصمت الإيراني، بعد اجتماع وزيري الدفاع الإيراني والروسي في إطار مؤتمر للأمن الدولي في موسكو، وظهر أن الطرفين يسعيان إلى ترجمة التفاهم حول التعاون العسكري ـ التقني عملياً، وأعلنا بحثهما بعض جوانب الأمن الإقليمي وإمكانية عقد لقاء ثلاثي يجمع وزراء دفاع روسيا والصين وإيران. وأوضحت تصريحات كل من الوزيرين الإيجابية حول التعاون العسكري بين البلدين، فأشار وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى تقديره الاتصالات التي باتت يومية بين البلدين وتوسيع إيران للعلاقات مع روسيا في كافة المجالات ومن ضمنها الدفاعي.
إذاً، استغلت روسيا الأزمة اليمنية والاتفاق النووي الإيراني، وبدأت تبني علاقة جديدة مع إيران عبر قراءتها الواقعية لهذه المؤشرات، فمن جهة، تعد إيران المستهدف الرئيسي من «عاصفة الحزم» وبالتالي فإن حيازتها لمنظومة دفاعية متطورة أمر بديهيّ ومتوقع، وهذا هو عامل الردع الذي أشار إليه الرئيس الروسي.
ولكن هذا الأمر هو الهدف المعلن فقط، فالهدف الحقيقيّ هو أن موسكو القلقة على أمن إيران والسعيدة بتعاونها في الملف النووي، تريد أن تمهّد الطريق لبناء حلف أكبر معها قائم على أسس واقعيّة، لا تمثل صفقة الـ «أس300» إلا بدايةً له، ويلعب العامل الاقتصادي دور المحرّك فيه.