إيلي شلهوب


«من يعتقد نفسه، البطريرك؟»، كلمات صدرت عفواً عن مشارك في ذكرى لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، أقيمت في جامعة جورج تاون الأميركية. كان ذلك في آذار عام 2005. تساؤل استهدف بول وولفوويتز، الذي تسابق الساسة اللبنانيون، ممن حضروا المناسبة، لشكره على الجهود التي بذلها في «دفع الإصلاحات قُدماً في الشرق الأوسط».
بعدئذ، حضر وولفوويتز، مهندس غزو العراق، حفل غداء أقيم على شرف البطريرك نصر الله صفير. مناسبة شارك فيها نحو 600 مدعو من الأميركيين اللبنانيي الأصل، تباروا في التصفيق له لحظة دخوله القاعة، إعلاناً منهم عن تقديرهم له.
في اليوم التالي، الأربعاء 15 آذار، أعلن جورج بوش عزمه على ترشيح وولفوويتز، أحد أشرس صقور المحافظين الجدد وأعتى دعاة الهيمنة الأميركية على العالم، لرئاسة البنك الدولي (بعد أيام فقط على تسمية جون بولتون، العزيز هو أيضاً على قلوب العديد من اللبنانيين، لرئاسة البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة).
خطوة أثارت امتعاضاً عالمياً، ونُظر إليها كمحاولة من إدارة بوش لتعزيز سيطرتها على البنك الدولي من أجل استخدامه لغاياتها الاستراتيجية، بعدما زرعت بولتون في قلب المنظمة الدولية في محاولة لتقويضها.
كان «وولفي»، كما يهوى البعض تسميته، مدركاً لاتساع جبهة الرفض، التي لم تُفشلها سوى واقعة امتلاك واشنطن للحصة الكبرى من البنك الدولي (16 في المئة). سعى إلى تبديد المخاوف منه، فجعل أفريقيا أولى أولوياته. بادرة تنسجم مع توجهات البنك (محاربة الفقر)، واستراتيجيا ما بعد 11 أيلول 2001 (الدول الفقيرة يمكن أن تتسبب بأضرار لنظيرتها الغنية لأنها ستكون مرتعاً للأمراض والجريمة ... والإرهاب).
لكنه سرعان ما أدخل عنصراً جديداً في المعادلة: لا قروض للدول الفاسدة. شرط انهار أمام أسوار العواصم التي تعتبرها واشنطن ذخراً لها في حربها على الإرهاب (بغداد وكابول واسلام أباد وبيروت). واستخدمه جزافاً لمعاقبة من يعصي سيد البيت الأبيض (أوزبكتسان)، واستنسابياً (الهند وتشاد وكينيا والكونغو وإثيوبيا وبنغلاديش).
وكعادته، التي أكسبته سمعة الرجل «المتعجرف» ورمز «الأحادية» الأميركية، مارس وولفي، المعروف بدعمه القوي لإسرائيل، هذه الأمور كلها من دون استشارة مجلس إدارة البنك. بل عمل على إبعاد موظفيه الكبار، وأنشأ حلقة داخلية، اتخذ في إطارها معظم قراراته. حلقة ضمته واثنين من كبار الموظفين أتى بهما معه: روبن كليفلاند (الذي منحه راتباً سنوياً بقيمة 263 ألف دولار) وكيفين كيلمز (249 ألف دولار).
سبق أن اعتمد وولفي الأسلوب نفسه في التعامل عندما كان نائباً لوزير الدفاع الأميركي (لم يكن يعير أهمية لآراء كبار القادة العسكريين والبيروقراطيين)، وفي تعامله مع الكونغرس (لطالما استغبى أعضاءه بتأكيده أن قوات الاحتلال ستُستقبل في العراق كقوات تحرير وأن الحرب ستنتهي بسرعة).
لكن أكثر ما أثار استياء طاقم موظفي البنك الدولي (أكثر من 10 آلاف) هو إنشاؤه جهازاً لمراقبة سلوكهم والتزامهم الشفافية. شفافية كان هو أول من خرقها، عندما أمر، عقب توليه منصبه في أيلول 2005، بنقل صديقته شاها علي رضا، الليبية الأصل، للعمل في وزارة الخارجية الأميركية تحت إمرة ليز تشيني، بعدما رفع راتبها، الذي ظلت تقبضه من البنك الدولي، إلى 193590 دولاراً (بنسبة 46 في المئة)، وهو راتب يفوق ما تتقاضاه كوندوليزا رايس. فضيحة تكشفت فصولها خلال الأيام الماضية.
عند تعيينه وبولتون في منصبيهما، بدا كأن المحافظين الجدد نجحوا في الوطن فكان لا بد من تصديرهم للخارج (المقولة لجوزف سماحة). واليوم، بعدما أطيح كاره الأمم المتحدة، وبات رأس حربة الأحادية القطبية مهدداً في منصبه، فيما إدارة بوش تتصدع من داخلها، أي مصير ينتظر المحافظية الجديدة؟