strong>باريس ـــ بسّام الطيارة


لم يعد «الاهتمام الاخضر»، أي كل ما يتعلق بالبيئة والحفاظ عليها وبالنمو المتوازن والدائم، محصوراً بمجموعات المحافظة على البيئة وأحزابها، وقد خرج هذا الاهتمام من إطار الأقليات الناشطة ليتمدّد نحو معظم برامج المرشحين للرئاسة الفرنسية

أدركت التيارات السياسية الفرنسية أهمية «المسألة البيئية» لدى المواطن الفرنسي أياً كان انتماؤه السياسي، ومن هنا بدت حريصة على أن تضمّن برامجها خطوات تلونها باللون الأخضر وخططها، وتطرح حلولاً لمسائل تدور حول الاهتمام البيئي.
فحتى زمن قريب، رأى الناخب الفرنسي أن مجموعات الخضر والمدافعين عن البيئة هي أقرب سياسياً إلى اليسار منها إلى اليمين، وبالطبع كان صوته يذهب باتجاه اليسار في الدورات الثانية، ويجير في هذا السياق بعض الأصوات المؤيدة لطروحاته البيئية التي يخسرها اليمين التقليدي.
وقد انتبه اليمين منذ الانتخابات الماضية إلى هذا «النزف في الأصوات»، فبات له مرشحون خضر من اليمين. ينطلقون مع بدء الترشح وتكون برامجهم يمينية باهتمامات البيئية، ثم ينسحبون لمصلحة مرشح يميني. ويطلق على هذا النوع من الترشح صفة «أرنب السباق»، إذ إنه يركض لمصلحة غيره. وهكذا ترشحت كورين لوباج الوزيرة السابقة قبل أن تنسحب لمصلحة نيكولا ساركوزي.
ومن المؤكد أن المرشحين الأبرز اللذين يمثلان التيار الأخضر، وهما زعيمة «حزب الخضر» دومينيك فوانيه وزعيم كونفدرالية الفلاحين والناشط المناهض للعولمة جوزيه بوفيه، من أشد خصوم اليمين، وبوجه خاص ساركوزي، إلا أن انضمامهما إلى اليسار في الدورة الثانية إذا وصلت سيغولين رويال لن يكون من دون مقابل بل سيخضع لمساومات.
فوانيه
دومينيك فوانيه (٤٨ سنة) طبيبة ترشحت عام ١٩٩٥ للرئاسة وحصلت على 3.3 في المئة من الأصوات، وقد أمّنت لها هذه النتيجة مقعداً وزارياً في حكومة ليونيل جوسبان، وكان ذلك مبكراً بالنسبة لتيار تأسّس حديثاً لا نواب له. ولكن كل شيء في حياة زعيمة حزب الخضر جاء مبكراً: فهي بدأت النضال السياسي في السادسة عشرة من العمر في أولى سنوات كلية الطب. تزوجت وأنجبت باكورة أولادها الأربعة وهي في التاسعة عشرة على مقاعد الكلية. وكانت من مؤسسي حزب الخضر. انتخبت نائبة في البرلمان الأوروبي عام ١٩٩١. وقد ناضلت من أجل أن يكون حزب الخضر في اليسار.
واتبعت أسلوب الحزب الشيوعي في مفاوضة الاشتراكيين ومساومتهم على المشاركة في الحكم. فترشّحت للانتخابات الرئاسية، وهو ما سمح لها بتحديد وزن انتخابي لحزبها وتوقيع اتفاق انتخابي مع الحزب الاشتراكي سهّل وصول ستة نواب للحزب إلى البرلمان الفرنسي وأمّن دخولها إلى الحكومة للمرة الأولى وزيرةً للبيئة ولتنظيم الأراضي.
إلا أن سياستها في الوزارة كانت بعيدة عن طموحات تنظيمات تهتم بالبيئة، لكن من منظور مختلف مثل الصياديين ومنتجي الحبوب المستقلين الذين لم يرق لهم «توافقها مع سياسة الاتحاد الأوروبي القاضية بتحجيم الانتاج الفردي» فاحتلوا وزارتها عام ١٩٩٩ وحطموا مكتبها الخاص.
ويرى العديد في هذا التاريخ بداية الشرخ الذي يضرب صفوف البيئيين، بين فريق «براغماتي سياسي» يرى في الوصول إلى الحكم أهمية لإمرار القليل من القوانين، وفريق «ثوري» يرى أن الدخول في لعبة السياسيين التقليديين هو بداية للانخراط في نظام يضع قوانين نظام انتاج صناعي استهلاكي لا يمكن أن يقود إلى نمو دائم سليم.
بوفيه
يترشح جوزيه بوفيه (٥٤ سنة) لملرة الأولى للانتخابات الرئاسية مع أن الجميع كان ينتظره منذ سنوات على حلبة الانتخابات. إلا أن بوفيه، الناطق الرسمي باسم كونفدرالية الفلاحين، كانت له اهتمامات أوسع تتجاوز حدود فرنسا. فهو من أول المناهضين للعولمة ومن أول من تصدى لـ «ماكدونالدز» لما يعنيه من «سحق لعادات المطابخ التقليدية»، ومع كل ما يعنيه ذلك من أفول نجم المزارع الصغيرة والفلاحين وتحويل «المهنة الأولى للانسان»، الزراعة، إلى مهنة استخدام خاضعة لمؤشرات الربح في بورصات العالم.
بوفيه متخصص في الزراعة وهندستها من جامعة «بركلي» الأميركية، وبعد انتهاء دراسته، عاد ليستقر في إحدى أوحش المناطق الزراعية في منطقة لارزاك في وسط فرنسا، حيث بدأ بتربية الخراف بمساعدة زوجته في مزرعة متواضعة «على طريقة القدماء المتوارثة أباً عن جد». وقد رفض «هجرة المزرعة» لإلحاق أولاده بمدرسة المدينة، وكان يعيش مثلما عاش القدماء وينتج الأجبان والألبان ويبيعها في شبكات بيع وشراء المنتجات الطازجة التقليدية.
دخل السجن مرات عديدة بسبب نضاله المعادي للجيش والخدمة العسكرية، وكان من أعنف المتصدين لتطوير فرنسا قوتها النووية.
إلا أن ثلاث مسائل ساهمت في شهرته عالمياً. في عام ١٩٩٩، إبان مشاركته في قمة سياتل الموازية لاجتماع الدول الغنية، حين خطب باللغة الإنكليزية أمام آلاف المجتمعين حاملاً بيد قالب «جبنة كاممبير» مندداً بالعولمة. أما المناسبة الثانية، فهي مشاركته «حياة ياسر عرفات المحاصر داخل المقاطعة» لأسابيع، الأمر الذي سلّط الأضواء عليه ووضع المناهضين للعولمة إلى جانب القضية الفلسطينية.
وأخيراً، أعلن بوفيه حرباً لا هوادة فيها على «زراعة المواد المغيّرة جينياً». ورغم أنه دخل السجن بسبب «حصده لمواد زرعت بقصد التجربة»، فهو يعلن أنه مهما حصل لن يهادن هذه الزراعة لأنها «تهدد مستقبل البشرية» وتجعل الأمن الغذائي للإنسانية بيد مجموعات صناعية تتحكم به.
ورغم أن الرأي العام يرى أن نضال بوفيه محق ويؤيده الرأي في ٩٩ في المئة من مواقفه، إلا أنه لا يعطيه حسب آخر إحصاءات أكثر من ٢ في المئة. يدرك جوزيه بوفيه أنه لا يترشح ليكسب الرئاسة بل «ليوقظ الفرنسيين من سباتهم». ويقول «لو نزلت ضيفاً على الإليزيه، فمن يهتم بقطيع الخراف ومن يحلب البقرات؟».