لم تعد الأزمة السورية وحدها الموفِّقة بين الرأي الإسرائيلي والتركي الداعم لـ«المعارضة»، بل جاء ملف الإبادة الجماعية الأرمنية ليجمع سياسياً بين الطرفين مرة ثانية.

فقد نشرت صحيفة «دايلي نيوز» التركية المتحدثة باللغة الإنكليزية، في 10 من نيسان، تصريحاً على لسان الرئيس الإسرائيلي السابق وصاحب جائزة نوبل للسلام شمعون بيريز، وصف فيه المطالب بالاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية بأن «لا معنى لها».
بحسب الصحيفة، فقد قال بيريز: «نرفض محاولات خلق تشابه بين المحرقة (الهولوكوست) ومزاعم الإبادة الجماعية الأرمنية. لم يحصل شيء مشابه للمحرقة. ما تعرّض له الأرمن مأساة، لكن ليس إبادة جماعية».

كلام أكدته القنصلية الإسرائيلية في ولاية لوس انجلوس الأميركية لصحيفة «اسباريز» الأرمنية، عبر بيان صحافي جاء فيه أنه «يجب أن تعالج هذه المسألة (الإبادة الجماعية الأرمنية) مع المؤرخين وليس السياسيين. نحن لا نؤيد المقارنة بين المآسي الأرمنية والمحرقة اليهودية. إسرائيل لن تتخذ موقفاً تاريخياً وسياسياً حول هذه القضية».
الموقف الإسرائيلي لم يكن جديداً على الإطلاق، فالصهيونية دأبت طوال السنوات الماضية على احتكار «المعاناة» ضمن «حقوق حصرية لليهود» فقط دون غيرهم من شعوب العالم.
كذلك يرفض المنطق السياسي قطعاً وجود إمكانية لدى الحكومة الإسرائيلية لدخول مغامرة مع الحليف الاقتصادي الأكبر في المنطقة، نظراً إلى حساسية هذه القضية بالنسبة إلى تركيا ــ بجناحيها العلماني والإسلامي ــ التي تعتبر مجرد التطرّق إلى موضوع الإبادة جرماً يستوجب المحاكمة وفق المادة 301 من قانون العقوبات التركي داخلياً، وخطاً أحمر بالنسبة إلى السياسة الخارجية.
حدود اعتبر الأتراك أنها خُرقت من قبل الرأس الأعلى في الفاتيكان عندما وصف البابا فرانسيس، ولو متأخراً، المجازر التي ارتكبت بحق الأرمن من قبل السلطنة العثمانية، إبان الحرب العالمية الأولى، بالمجزرة، ما دفع رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو إلى شن هجوم غير اعتيادي على «رأس هرم الكنيسة الكاثوليكية» في العالم، بوصف موقفه «أحادي الجانب» و«غير المناسب». تبع ذلك خطوات دبلوماسية تجلّت في استدعاء السفير الباباوي في أنقرة والسفير التركي في الفاتيكان.
وهذه الخطوات ترافقت مع حملة إعلامية من قبل وسائل الإعلام التركية، فقد وصفت صحيفة «ستار ديلي» الموالية للحكومة التركية التصريح بأنه «حملة صليبية جديدة»، فيما عنونت صحيفة «ايدنلك» المعارضة مقالاً رافضاً للتصريح، بالقول: «ليهتم البابا بشؤونه الشخصية».
الجديد في الملف كان دخول وكالة «شهاب نيوز» المقرّبة من حركة «حماس» في غزة، «المعمعة الإعلامية» عبر نشرها خبراً مقتبساً من وكالة الأنباء التركية الرسمية «الأناضول» تحت عنوان «علماء أتراك يحصون 5 آلاف شهيد قتلوا على يد الأرمن».
وأوردت الوكالة على صفحتها عبر موقع «فايسبوك»، التي تحظى بنحو 3 ملايين إعجاب تقريباً، مقالاً مفاده «إحصاء ما يقارب 5 آلاف شهيد من المسلمين الأتراك في مقابر جماعية، دفن فيها ضحايا المجازر المرتكبة من قبل العصابات الأرمنية»، مرفقاً بصور من أرشيف الإبادة الجماعية الأرمنية.
وفي كل هذا، تبقى الأنظار الأرمنية متجهة نحو الولايات المتحدة، التي طالبت الأسبوع الماضي باعتراف كامل وصريح بالوقائع المرتبطة بالمجزرة التي ارتكبتها تركيا بحق الأرمن، قبل مئة عام، فقد اعتبرت المتحدثة باسم وزارة خارجيتها ماري هارف أن «تغييرات كهذه أساسية لبناء مستقبل مختلف وأكثر تسامحاً»، رافضة استخدام كلمة «إبادة»، وهي ذات الكلمة التي تجنّب الرئيس باراك أوباما استعمالها في خطابه، في 23 نيسان من العام الماضي، رغم استخدامه لها يوم كان عضواً في مجلس الشيوخ، وتحديداً خلال حملته الانتخابية عام 2008، حين وعد بـ«الاعتراف بالإبادة الأرمنية» في حال فوزه بالانتخابات الرئاسية، كما وعد رؤساء الولايات المتحدة السابقين، الأمر الذي لم يتحقق.
ويحاول اللوبي الأرمني الفاعل والقوي في الولايات المتحدة الأميركية انتزاع هذا الاعتراف من الحليف الأكبر لتركيا، لما له من تأثير سياسي وعواقب قانونية قد تكون منصفة بحق شعب فقد 1.5 مليون من أبنائه إضافة إلى أرضه التاريخية في لعبة أمم.