إيلي شلهوب


بندر بن سلطان بدأ يفقد نفوذه في المملكة. قد يعتقد البعض بأنها مزحة سمجة. لكنها بلا شك تستحق الاهتمام؛ فالأمير المعني لم يكن يوماً رجلاً عادياً. بل هو صاحب تاريخ من المكر والخداع، أثمر «نِعَماً»، أغدق غالبيتها على آل بوش، وحظي العرب بالكثير من فتاتها.
الرواية، التي عرضتها صحيفة «نيويورك تايمز» قبل يومين، تفيد بما يلي: الملك عبد الله سئم الإدارة الأميركية الحالية. بات مقتنعاً بوجوب تحييد مملكته عنها (لا يريد أن يُنظر إليه على أنه «بلير العربي»). وهو يحمّل بندر مسؤولية توتر العلاقات الأميركية ـــ السعودية. حجته في ذلك أن العميد السابق للسلك الدبلوماسي في الولايات المتحدة اعتمد، خلال 22 عاماً من خدمته ممثلاً للمملكة لدى واشنطن، مقاربة، «كانت كالموسيقى في أذن إدارة بوش، لكنها لم تكن ما يريده عبد الله».
إشارات استياء الملك متعددة: إبرام اتفاق مكة الفلسطيني، خلافاً لأهواء واشنطن. استقبال الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد. الاعتذار عن حفل غداء أراد بوش إقامته على شرفه في البيت الأبيض. أما أبرزها فكانت خطبة الملك خلال قمة الرياض، حيث وصف الوجود الأميركي في العراق بأنه «احتلال».
لم تكن المرة الأولى التي يعبر فيها عبد الله عن امتعاض كهذا: سبق أن حمّل بندر، في أيلول عام 2001، رسالة شديدة اللهجة إلى بوش: أنتم في طريق ونحن في آخر. مرد امتعاضه، في ذلك الوقت، كان الإهمال الأميركي للشأن الفلسطيني. رسالة تلاها لقاء مع بوش في مزرعته في كراوفورد، عشية الاعتداءات الدامية، أثمرت إقراراً من سيد البيت الأبيض بوجوب قيام دولة فلسطينية.
لكن بلوغ الامتعاض حداً يطيح بندر يطرح علامات استفهام؛ فالرجل كان من أقرب المقربين للملك الراحل فهد. وقد بنى شبكة من العلاقات، أثناء خدمته في واشنطن، أكسبته ألقاباً متعددة، بينها «بندر بوش» و«وزير خارجية الولايات المتحدة» و«ملك واشنطن». ألقاب تعبّر بدقة عن علاقته الوثيقة بعائلة بوش، التي تعدّه أحد أفرادها، وتعتمده مرجعاً في كل قضية مرتبطة بشؤون المنطقة (كان السفير الوحيد الذي تفتح له أبواب البيت الأبيض ساعة يشاء، وذلك في عهدي البوشين). وعن نفوذه الممتد منذ عهد رونالد ريغان، الذي جعله وسيطاً في صفقة إيران ـــ كونترا.
بل إن الرؤساء الأميركيين الأربعة الذين عايشهم اعتمدوه مبعوثاً لهم إلى مجموعة من قادة العالم، بينهم مارغريت تاتشر وطوني بلير وميخائيل غورباتشوف والحكومة الصينية ومعمر القذافي. دور بلغ أوجه عندما رتب قمة كلينتون ـــ الأسد في جنيف في عام 2000، وضغط على ياسر عرفات، في العام نفسه، وبلا جدوى، للقبول بـ«خطة كلينتون».
ذروة إبداعات بندر تمثلت في تحريضه المستميت على غزو العراق. بلغت به الوقاحة حداً أبلغ خلاله بوش (الرواية لبوب وودوارد) أنه يرفض حلق ذقنه ما دام صدام على كرسيه، وهو ما اضطر «صديقه» إلى طمأنته، وتسليمه خطط الحرب قبل أن يعلم كولن باول بها. أما آخرها، فلقاءاته مع مسؤولين إسرائيليين، برعاية أردنية، بهدف إقامة محور «المعتدلين العرب» في مواجهة إيران (تفيد «هآرتس» بأنه على اتصال برئيس الموساد مائير دغان منذ سنوات).
خبر تحجيم دوره يتناقض مع إصرار عبد الله على حضور الأمير «الملك» قمة الرياض، ولا يعكسه تخلي السعودية (ومعها العرب) عن شروطها السابقة في مقابل التطبيع. لكنه إن صح، يفرض إعادة نظر في اصطفافات المنطقة.