strong>باريس ــ بسّام الطيارة


ربح مرشّح اليمين الفرنسي نيكولا ساركوزي رهانه، واتفق الجميع على أن مهرجانه الأخير في باريس كان ناجحاً من حيث الحضور في تكريسه زعيماً بلا منازع على اليمين الليبرالي. إلا أن تحليلاً عميقاً لخطابه يظهر أن القلق لا يزال يسكنه، رغم كل مظاهر النصر التي حاول أن يلف بها مداخلته، وأن يرسمها على الصورة التي أراد أن يعطيها

قسّمت التحليلات الفرنسية كلام نيكولا ساركوزي، خلال مهرجانه أول من أمس، إلى قسمين؛ خاطب في القسم الأول جمهور الوسط محاولاً «القفز فوق مرشحهم»، وتوجه إليهم مباشرة داعياً إياهم إلى «البقاء حيث مكانهم الطبيعي، أي اليمين». وقال: «إذا كان (فرانسوا) بايرو يريد أن ينهي علاقته مع اتحاد الديموقراطية الفرنسية»، وهو حزب الوسط، «فإن جمهور الاتحاد لا يريد ذلك».
وعمد في القسم الثاني من خطابه إلى التلويح بإمكان «إدخال بعض النسبية» في النظام الانتخابي، بعدما كان يرفض بشدة هذا التغيير الذي يمكن أن يفتح الباب واسعاً أمام اليمين المتطرف.
إلا أنه، حسب بعض الخبراء، «قد استوفى كل ما يمكن أن يأخذه من حزب لوبن اليميني المتطرف» ويمكنه الآن أن يقدّم هذا التنازل، إذ إن الخطر لا يزال في الوسط الذي يمكن أن يسير وراء زعيمه بايرو، الذي قطع «شعرة معاوية» مع ساركوزي، كما هو أيضاً في اليمين المتطرف الذي لم يعلن حتى الآن موقفاً.
ويمكن تلخيص «مأزق ساركوزي» بأنه للوصول إلى ما يزيد على خمسين في المئة من الأصوات، فهو يحتاج إلى نحو ٢٠ نقطة (حصل على ٣١ في المئة من الأصوات) وقد حصد الوسط ١٩ نقطة وشكل «مفاجأة الدورة الأولى»، بات من المؤكد أن أكثر من نصفها سوف يتوجه إلى رويال، وهو في أحسن الأحوال لا يستطيع أن يحصل على أكثر من نصفها، أي نحو ١٠ نقاط يضيفها إلى نقاط مرشح اليمين الوطني فيليب دو فيليه (2.4 في المئة)، الذي دعا ناخبيه إلى العمل على «منع اليسار من الوصول». تكون حصيلة هذا «الحساب البسيط» والإيجابي جداً أن يصل إلى ٤٤ في المئة مع تدوير الكسور لمصلحته. لكنه لا يزال بعيداً جداً عن هدفه.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى سيغولين رويال (٢٦ في المئة من الأصوات)، إذ يفترض المراقبون أن يسار اليسار قد صوت لها بالكامل، أي نحو ١٠ في المئة، كما دعا زعماؤه، يضاف إليها ٩ نقاط تقول الاستطلاعات إنها ستحصل عليها من الوسط، فتكون الحصيلة نحو الـ ٤٥ في المئة.
ومن نافل القول أن هذا الحساب البسيط يظهر أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه حزب لوبن. ومن هنا، فإن الأنظار والآذان مصوبة نحو خطابه المنتظر في أول الشهر لمناسبة عيد «جان دارك محررة فرنسا من الإنكليز».
قد يكون طبيعياً أن يكون المرشح اليميني المستفيد الأول من الأصوات، إلا أنه حسب بعض الدراسات لنتائج الدورة الأولى، فإن ساركوزي قد «استنفد كل ما يمكنه أن يأخذ من اليمين المتطرف». ومن تبقى من ناخبي لوبن هم «سياسيون بالدرجة الأولى» سيتبعون تعليمات زعيمهم، الذي يرى في ساركوزي خطراً على حزبه الذي بات صغيراً.
ومثل عادته، أراد ساركوزي أن يبادر إلى «حشر لوبن» ومعه ناخبيه، فشدّد في مداخلاته الأخيرة على «مستقبل المجتمع الفرنسي». وقال إنه يريد «الانتهاء من ثورة أيار ١٩٦٨ الشبابية» التي يرى فيها أحد أسباب تراجع فرنسا وانحلال الأخلاق فيها. وهي رسالة موجهة مباشرة إلى اليمين المتطرف، الذي يرى في انفتاح المجتمع والتسامح في المدارس أحد أسباب «غياب الهوية الفرنسية».
قد يربح ساركوزي من هذا التوجه بعض أصوات اليمين المتطرف، إلا أنه يخسر بعض أصوات الوسط الليبرالي الذي يرى نفسه، إلى جانب اليسار الديموقراطي، «ابن ثورة الشباب عام ٦٨».
ولم يتأخر الرد على هذا الطرح المتطرف الجديد من مجموعة كبرى من المثقفين، التي أصدرت أمس بياناً تدعو فيه للتصويت لرويال لمنع وصول من يريد تطبيق «داروينية اجتماعية» تشجع القوي على الضعيف ومن «يحرِّض الفرنسيين على الوقوف في وجه بعضهم».