strong>واشنطن ـــ عمر أحمد

جولة وزيرة الخارجية الأميركية على الشرق الأوسط، التي تبدأ اليوم، هي إحدى سلسلة زيارات، لم تأت بأي نتيجة تذكر، وهو المصير المتوقع للجولة المرتقبة، ولا سيما أن المعطيات على الأرض لا تسمح بأي تقدّم ينقذ ماء وجه الإدارة الأميركية

تحاول حكومة الرئيس الأميركي جورج بوش أن تقدم نفسها، قبل 22 شهراً من نهاية ولايتها، راعياً حقيقي لعملية سلمية في المنطقة من خلال الزيارات المتكررة لوزيرة الخـــارجية كوندوليزا رايس، التي ستبدأ اليوم من مدينة أسوان المصرية الجـــولة العاشرة في الشرق الأوسط منذ توليـــها مــــنصبــــها قــــبل نحــــو عــــامـــين.
قال نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط، غوردان غراي، إن رايس «قد تقوم بزيارات دورية كل شهر إلى المنطقة». لكن لا أحد يصدق أن تلك الزيارات ستسفر عن مردود إيجابي لمصلحة الطرف العربي والفلسطيني، خصوصاً أن محللين وخبراء يرون أن توقيت تكثيف التحرك الأميركي قد يكون الأسوأ.
ويعتقد مسؤولون أميركيون ودبلوماسيون أجانب في واشنطن أن زيارة رايس، التي ستشمل مصر وفلسطين والأردن وتدوم أربعة أيام، قد تحقّق نتائج ضئيلة على المدى القريب. وترى مصادر عديدة أنه لا شيء يبدو أنه يعمل لمصاحة رايس، التي قالت مصادر مطلعة إنها بدأت الآن تدرس تاريخ محاولات الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون لتسوية الصراع العربي ـــ الإسرائيلي في الشهر الأخير من ولايته.
فالتطور السياسي الأخير تمثّل بتأليف حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية برئاسة حركة «حماس»، التي تدرجها الولايات المتحدة على قائمتها لـ «الإرهاب». وتستند الحكومة الفلسطينية إلى برنامج يؤكد على حق الشعب الفلسطيني في استخدام أشكال المقاومة كلها، وبينها المقاومة المسلحة.
وعلى الجانب الإسرائيلي، فإن حكومة إيهود أولمرت في أضعف حالاتها، حيث فقدت معظم التأييد منذ عدوانها على لبنان في الصيف الماضي، الذي فشل في تحقيق أهدافه المعلنة. وتقرير اللجنة الحكومية عن أداء حكومة أولمرت أثناء العدوان، والذي سيصدر الشهر المقبل، قد يتسبب في شل أولمرت نفسه.
وأشار أحدث استطلاع للرأي نشرته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية أمس، إلى أن هناك تراجعاً كبيراً في نسبة تأييد الإسرائيليين لحزب «كديما» وأنه في طريقه للانهيار. وأوضح أن 35 في المئة من الإسرائيليين يؤيدون تولّي زعيم تكتل «الليكود» المتطرف بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة الإسرائيلية.
كذلك فإن مكانة الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) وقدرته قد ضعفتا منذ الفوز الذي حققته «حماس» في انتخابات المجلس التشريعي في كانون الثاني 2006، وعززت قدراتها العسكرية وشكلت قواتها الأمنية العلنية ممثلة بالقوة التنفيذية.
وقال سفير عربي في واشنطن، تؤدي بلاده دوراً رئيسياً في عملية التسوية، لـ «الأخبار»، إن «التحرّكات السياسية وأداء أطراف الصراع العربي ـــ الإسرائيلي كافة تنطلق من الضعف لا من القوة»، موضحاً أن «أولمرت ضعيف بعد فشله في لبنان وتزايد الفضائح في إسرائيل، مثلما كانت الحال مع إيهود باراك الذي انسحب من جنوب لبنان من موقع الضعف في مواجهة المقاومة اللبنانية التي قادها حزب الله، وأيضاً قرار أرييل شارون بالانسحاب من قطاع غزة بسبب ارتفاع كلفة البقاء في غزة والحفاظ على أمن آلاف من المستوطنين، والرئيس محمود عباس هو أيضاً ضعيف ومن موقع الضعف وقع على اتفاق مكة، مثلما وقّع الرئيس الراحل ياسر عرفات على اتفاق أوسلو من موقع الضعف حتى يحافظ على وجوده ودوره، وحكومة بوش تتحرك من موقع الضعف بعد فشل مشروعها في العراق وتصاعد حملة الضغوط عليها في الداخل». وأشار إلى أن «حماس هي الوحيدة التي تبدو في موقع القوة حتى الآن».
وكان المنسق الأميركي لقوات أمن السلطة الفلسطينية الجنرال كيث دايتون، قد أبلغ إحدى لجان مجلس النواب الأميركي، في جلسة استماع مغلقة الأسبوع الماضي، بأن سلطة أبو مازن تتآكل بشكل خطير.
ويقول هرون ميلر، النائب السابق لمنسّق عملية تسوية الصراع العربي ـــ الإسرائيلي في عهد كلينتون، إن «رايس تصطدم بقوة بمشكلة حماس، التي من شأنها أن تجعل مهمتها أصعب».
وقال مصدر دبلوماسي أميركي إن أبو مازن وعد الأميركيين بأن موافقته على عقد اتفاق مكة وتأليف حكومة الوحدة مع «حماس» هو لإظهار عدم قدرة حماس على الحكم، الأمر الذي يمهّد لانتخابات فلسطينية جديدة. إلا أن مسؤولاً أميركياً قال لـ «الأخبار» «إن ما أخشاه هو أن هذا الرجل قد لا يستطيع الوفاء بتعهده، بالإضافة إلى عقد اتفاق سلام مع إسرائيل».
غير أن رايس تبدو مصمّمة على المضي قدماً بالرغم من اعترافها يوم الأربعاء، أمام لجنة الاعتمادات في مجلس النواب، بأن حكومة الوحدة الفلسطينية تمثّل «نوعاً من التحدي»، لكنها قالت إنها تعود إلى المنطقة لأنه «من المهم للغاية أن نستمر في إظهار الالتزام الأميركي بتطوير أفق سياسي ليكون بمقدور الشعب الفلسطيني أن يرى أن مستقبله هو مع القوى المعتدلة مثل عباس لا مع تلك القوى المتشددة».
وفي الوقت الذي أعلنت فيه حكومة أولمرت أنها ستقاطع حكومة الوحدة الفلسطينية وتقصر اتصالاتها بشكل محدود على أبو مازن، فإن رايس أمرت دبلوماسييها بالتعامل مع أعضاء الحكومة ممن لا ينتمون إلى «حماس». ومثل هذا «التباين» بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي هو أمر نادر في حكومة بوش.
وقد عينت رايس عضواً سابقاً في الأطقم الأميركية للمفاوضات الإسرائيلية ـــ العربية، وهو جوناثان شوارتز، في منصب نائب المستشار القانوني لوزارة الخارجية، والذي انضم إلى مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد ولش للإعداد لزيارتها حيث وصلا إلى إسرائيل يوم الخميس الماضي.
وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية «إننا نريد أن نصنع سلاماً.. مهما كلف الأمر». وأضاف أن رايس تعوّل في حساباتها على استخدام مبادرة السلام العربية، التي أقرتها قمة بيروت العربية عام 2002، والتي اشاد بها أولمرت، بأن تخفف من المأزق الدبلوماسي الذي يواجهه البيت الأبيض نفسه إزاء العراق وبناء الدعم لموقف موحد ضد إيران.
وكان الرئيس الأميركي نفسه قد استغل أول من أمس اجتماعه مع لجنة إعادة إعمار العراق، للتشديد على أن السلام في الشرق الأوسط من اولوية إدارته. وجدد الإشارة إلى رؤيته لحل الدولتين (إسرائيل وفلسطين).