طهران ــ إيلي شلهوب


أفكار مسبقة تحملها معك إليها، غالبيتها ظلامية ومكحلة بالسواد، تتهاوى شيئاً فشيئاً منذ أن تطأ قدماك أراضيها، لتنقلب، كلما احتككت بها، إلى بياض يماثل لون الثلوج
التي تكلل جبالها


إحساس بالصدمة ينتابك لدى وصولك إلى طهران، عاصمة «إمبراطورية الشر» التي لا تزال مصممة على تحدي الغرب، وفي مقدمته إدارة البيت الأبيض. طائرة قديمة الطراز تقلك إليها، وتحط في مطار قد يكون نموذجاً لمطارات العالم الثالث. يصادفك جمع من الناس تألف سحنتهم، وإن كان الوجوم يرتسم على محياهم. يخالجك شعور بالتفهم، فهم جزء من شعب محاط بالتهديدات.
تغادر المبنى القديم مهرولاً، هرباً من أجواء ارتفعت درجة حرارتها لتماثل مستوى التوتر الذي يخيّم على علاقات هذا البلد مع غالبية عواصم القرار، فتفاجأ بوجهك وقد كاد يتجمد، وبرعشة تصيب عظامك منبئة بمناخ قارس، سرعان ما تكتشف أنه التعبير الأصدق عما تعيشه إيران في الوقت الراهن: حرب باردة يعمل الجميع من أجل ضمان عدم إضرام النيران فيها.
تمضي في طريقك؛ شوارع شبه خالية، إلا من الأضواء التي تزين، ومعها الأشجار، جوانب جميع طرقاتها. تخالها مدينة أشباح تقطن منازل يميزها صغر حجمها، وتتناثر في ثناياها بعض «الأبراج» (مبان من حوالى 20 طابقاً) والمتنزّهات.
تحاول، بلا جدوى، أن تقنع عينيك بأن تغمضا. سؤال يؤرقك: كيف سيواجه بلد، أحدث ما احتككت فيه من تجهيزات يعود إلى عقد خلى أو أكثر، القطب الأوحد في العالم؟
ضوء خافت ينسل إلى غرفتك مؤذناً بحلول الصباح. تغادر سريرك محفزاً خطاك، تدفعك حشرية اكتشاف عاصمة الإمبراطورية الإقليمية المقبلة! فتجدها مدينة تنبض بالحياة.
شوارعها، التي ميزها السكون ليلاً، تغرق في بحر من سيارات تتزاحم على أولوية المرور، حتى ولو على حساب شارد أقدم على العبور بغير حق. أرصفتها تعج بمارة يسيرون مهرولين كأنهم يلاحقون موعداً حال الازدحام المروري الخانق دون تلبيته.
تمر أمام عينيك صور ما كنت تتوقع مشاهدتها في هذه الجمهورية الإسلامية، بحسب الصورة النمطية المعروفة عنها: شابات يرتدين البنطال، وقد أجدن التبرج، تحيط برؤوسهن أوشحة لا تغطي إلا النزر اليسير من شعورهن. تتبيّن بسهولة أنهن غالبية في شمال المدينة، وتنخفض نسبتهن كلما اتجهت جنوباً. تمايز يعكس انقساماً طبقياً موزعاً جغرافياً بين شمال غني وجنوب فقير، لا يجد تعبيراته إلا في ما يسره إليك من خَبَر هذه المدينة وخفاياها: «المظاهر فيها خادعة، ذلك أن الإيراني، خلافاً للنمط السائد في العالم العربي، لا يعير مظهره أي اهتمام، إلى حد أن شخصاً يمكن أن تخمن، من ملابسه أو سيارته، أنه متوسط الحال أو أقل، فيتبيّن أنه من أثرى أثرياء طهران. يحبون الرفاهية، لكنهم يتمسكنون».
لكن رغم ذلك، ترى الإيرانيين يهتمون اهتماماً فوق العادة بمنازلهم (وهي للمناسبة أسعارها مرتفعة جداً). يحرصون على أن تكون على مستوى عال من الأناقة والجمال. يفضلون البيوت المستقلة، بمعنى أن تكون من طبقة واحدة واثنتين أو حتى ثلاث (بحسب قدراتهم المادية) يحيطها سور يضم ساحة صغيرة. والمنازل من نوع كهذا هي الأكثرية الساحقة في العاصمة الإيرانية. ربما كانت إمكانية تمددها أفقياً عاملاً مساعداً على الاحتفاظ بنمط عمراني من هذا النوع.
اللافت فيها لونها الباهت، الذي يجعلها أقرب إلى مدن أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفياتي السابق. تعطيك الانطباع بأنها مدينة كئيبة، تعبة. شعور تعززه ملامح المشاة فيها. هناك من يلقي بالمسؤولية عن ذلك على نسبة التلوث المرتفعة فيها.
لكن كلما ازداد احتكاكك بسكانها، تترسخ لديك قناعة بأنهم شعب يحب الحياة. يعشق السفر والنزهات في الطبيعة (pick nick) يجيد فن الملاطفة والمجاملة، ويتميز بمستوى عال من التهذيب. لكنه عبوس لا يجيد فن الخدمات. وهو في الوقت ذاته مغرور، يعتدّ بنفسه، وبتاريخه «الإمبراطوري». يرى نفسه صاحب حضارة مميزة وشعباً ذكياً. ينظر بازدراء إلى العرب، أو على الأقل يراهم من عل. يستثني منهم شعبين: الشعب المصري الذي يراه صاحب حضارة عريقة هي الحضارة الفرعونية، والشعب اللبناني الذي يعتبر أنه يتمتع بالصفة نفسها وهي الحضارة الفينيقية (وإن لم يكن بالطريقة ذاتها التي يفهمها اللبنانيون).
بل إن للبنانيين مكانة خاصة في نفوس الإيرانيين (من مختلف مشاربهم)، الذين يرونهم شعباً راقياً (وذلك منذ أيام الشاه)، وشعباً مقاوماً (بعد الثورة). وقد أضاف واقع أن المقاومة اللبنانية شيعية المذهب عنصراً أعطى هذا الود بعداً جديداً. قد تكون صور الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، المعلقة في أرجاء عديدة من طهران، وبينها في مدخل منزل الإمام الراحل الخميني في جمران (شمال طهران)، أصدق تعبير عن ذلك.
والإيراني مستمع جيد ولبق. ولا يغرّنّك أن يهز برأسه عندما تنتهي من كلامك، فذلك لا يعني أنه اقتنع برأيك.
يقال إن ثقافة العراك لا وجود لها في قاموسه، فهو مجتمع مسالم: «فمهما بلغت حدة الخلاف بين شخصين، قمة ما يمكن لك أن تشهده صراخ يعلو، بلا احتكاك جسدي، إلى أن يهدآ أو يأتي ثالث يفصل بينهما».
لعل أكثر ما يتقنه الإيرانيون هو فن التفاوض، الذي استمدوه، على ما يبدو، من «ثقافة البازار» (السوق وعملية البيع والشراء). وأكثر ما يميزهم الصبر الذي ورثوه بدوره، على الأرجح، من مهنة صناعة السجاد، التي اشتهرت بها إيران عبر تاريخها.
يعتبر الإيراني، المعروف ببرودته التي تصل حد أنه «يذبح بالقطنة»، «مشروع مساومة مستمرة». عانى الكثير من استبداد الملوك وقسوتهم، وعلى مدى مئات السنين، ما جعله يفقد الثقة بالحاكم. صفة لا تزال تلازمه حتى أيامنا هذه. باتت جزءاً لا يتجزأ من وجدان الشعب الإيراني، وتطال تأثيراتها العديد من مجالات الحياة، حتى الاقتصادية منها، ومن بين تجلياتها أن الإيراني لا يصرّح عن أمواله، أو حتى عن مذهبه السياسي.



يحيا الشاه

تحوي طهران مجموعة من المجمعات السكنية، بينها واحد يعد أحد أكبر المجمعات في العالم. يعرف باسم «أكبانان».
يحوي هذا المجمع أكثر من 250 ألف وحدة سكنية ويقطنه حالياً موظفو الدولة وعناصر الحرس الثوري وضباطه.
لكن أهم ما يميّز هذا المجـــــــــــــــمع هو أن شاه إيران بناه بطريقة تمكن كل من ينظر إليه من الطــــــــــــــــــــائرة من أن يراه على شــــــــــــــكل كلمة فارسية هي «جاويدن شاه» أي «يحيا الشاه». وقد أدخل النظام الإيراني ما بعد الثورة الخمينية بعض التعديلات والأبنية الإضافية عليه من أجل تغيير شكله من الجو.



تلوّث
لا يمر وقت طويل قبل أن تشعر بخطب ما وقد أصاب الهواء الذي تتنشق. تتذكر أن طهران رابع مدينة في العالم من حيث النسبة المرتفعة للتلوث، والسبب عشرات المصانع المنتشرة في جنوبها وجنوب شرقها، ووقوعها، رغم امتدادها الواسع، في أحضان جبال تحيطها من جهاتها الأربع. وهو ما دفع صناع القرار للتفكير جدياً في نقل العاصمة إلى أصفهان، تلك المدينة التي يكثر الحديث عن روعتها.



شواهد من طهران
ـ مدينة طهران هي الأكبر في محافظة تعرف بالاسم نفسه.
ـ تبلغ مساحة المدينة نحو أربعة آلاف كيلومتر مربع. أما المحافظة فتتجاوز مساحتها عشرة آلاف كيلومتر.
ـ تمتد طهران المدينة على سفح جبل. في الأصل، كانت مدينة صغيرة تحيطها مجموعة من القرى. لكن مع زيادة عدد سكانها، امتدت في الاتجاهات الأربعة، لتبتلعها كلها.
ـ عدد سكانها 12 مليوناً في الليل و16 مليوناً في النهار.
ـ تتميز بمــــــــــتنزّهاتها المنـــــــــــــتشرة في جميع أرجائها تقريباً، وأهمها متنزّها «بارك ملّت» و«بارك جامشيديت»
ـ فيها «تلفريك» يسمى «تل كبين» هو الأطول في العالم ويبلغ ارتفاعه 2800 متر عن سطح البحر.
ـ تتميز طهران بكثرة طرقاتها وجسورها. وأهم هذه الطرقات شارع يعرف باسم «ولي عصر»، يخترق المدينة من جنوبها إلى شمالها بطول يبلغ 33 كيلومتراً. ومعروف أن هذا الشارع أقامه رضا شاه طريقاً خاصاً لقصره المشيد في شمال المدينة.