موسكو ــ الأخبار

يبدو أن من قام بدس مادة البولونيوم المشعّة للعقيد السابق في مصلحة الأمن الفيدرالية الروسية ألكسندر ليتفينينكو، قد قرأ جيداً مسرحيات شكسبير، ويتمتع بخبرة عالية في الإخراج لكي يغتاله بهذه الطريقة الدرامية. فهو كان يهدف إلى أمرين: الأول، أن يكون احتضار الرجل طويلاً ويثير الصدى المناسب لزرع الرعب من التلوّث الإشعاعي في نفوس الأوروبيين. والثاني، أن يتهم بهذه الجريمة في شكل مباشر عقيد الـ«كي جي بي» السابق فلاديمير بوتين.
وفي مثل هذه الحالات يطرح سؤال مشروع «من المستفيد من ذلك؟». والمستفيدون كثر، بدءاً من رجل الأعمال بوريس بيريزوفسكي، هاوي الدسائس، الذي فقد بمجيء بوتين إلى السلطة حظوته في الكرملين، وهو الذي يدّعي أنه جاء به إلى سدة الحكم، مروراً برئيس المؤتمر اليهودي السابق ليونيد نيفزلين، المتهم بجرائم تدبير قتل خصومه، والمتواري عن العدالة الروسية في إسرائيل، ورئيس المؤتمر اليهودي الأسبق فلاديمير غوسينسكي، المتهم بالاحتيال والسرقات ويعيش في إسرائيل أيضاً. ولا يجب نسيان أغنى أغنياء روسيا ميخائيل خودوركوفسكي الذي فقد ثروته التي تقدّر بثلاثين مليار دولار، ويقبع الآن وراء القضبان.
ومن المستفيدين أيضاً بعض القوى في الغرب التي لا يعجبها تحويل روسيا إلى دولة طاقة غنية. وربما أحد الأجنحة داخل السلطة الذي لا يريد ذهاب بوتين لكي لا يتم انتزاع ثروات أعضائه.
ولكن المتضرر الوحيد الفعلي على أي حال هو بوتين نفسه، لأن موت ليتفينينكو يلقي بظلال الشبهة على الكرملين بالعودة إلى وسائل ستالين. وربما لا حاجة لبوتين في أوج شعبيته وأدائه دوراً بارزاً في السياسة العالمية إلى قتل عدوه، الذي لا يمثل أي خطر حقيقي عليه، ولا سيما أن ليتفينينكو لم يكن شخصية ذات أهمية في الاستخبارات، وهو تحديداً ليس جاسوساً، إذ يؤكد العارفون أنه كان يعمل في قسم حراسة الشخصيات الروسية منذ عام 1994. والعاملون في هذا القسم لا يتمتعون بقدرات ذهنية خارقة ولا يمتلكون أي معلومات ذات قيمة.
وإن الاتهامات التي وجهها ليتفينينكو إلى الكرملين بتفجير العمارات السكنية في موسكو عام 1999 لبدء الحرب في الشيشان، ظهرت في نهاية التسعينيات. وبعد اتهامه الـ«كي جي بي» بأنها ضالعة في عمليات 11 أيلول 2001، لم يعد ينظر أحد إلى اتهاماته بجدية.