إسطنبول | عندما استقبل الرئيس الأميركي باراك أوباما وزير الداخلية السعودي محمد بن نايف في كانون الأول الماضي، كان واضحاً أن واشنطن تخطط لمرحلة جديدة بالنسبة إلى السعودية، قبل أن يصبح بن نايف ولياً لولي العهد، بعد وفاة الملك عبد الله.

ثم جاء قرار الملك سلمان الأخير باستبعاد مقرن، ليؤكد صحة السيناريو الأميركي الذي أراد للرياض أن تكون أكثر تبعية وولاءً لواشنطن، وإلا فعليها أن تستعد لنتائج السياسة الأميركية الجديدة في المنطقة، الرامية خصوصاً للتخلص من المشاكل مع طهران، وهو ما قاله أوباما لسلمان وطاقمه عندما زار الرياض معزياً.

أراد حكام الرياض استغلال هذا «الغرام» الجديد مع واشنطن في شنّ العدوان على اليمن، لجس نبض الأميركيين المحرَجين إزاء هذا الملف، لكون الهجوم الذي استهدف جماعة «أنصار الله» ساعد تنظيم «القاعدة» على التوسع في المناطق التي كانت قد انسحبت إليها تحت هجمات الحوثيين والجيش اليمني. في هذا الوقت، استقوت الرياض بتحالفها الجديد مع أنقرة، خصوصاً بعد مشاركة الرئيس رجب طيب أردوغان في جنازة الملك عبد الله في كانون الثاني الماضي وزيارته الرسمية للرياض، حيث اتفق مع الملك سلمان وطاقمه على مزيد من التنسيق والتعاون المشترك، وهو ما بدا واضحاً في إعلان أنقرة تأييدها الفوري للعدوان على اليمن.
ثم جاءت التطورات في إدلب وجسر الشغور، في ظلّ ما أثير عن الدور التركي المباشر وغير المباشر في هذه التطورات، لتترجم التحالف الاستراتيجي الجديد بين الرياض وأنقرة بعد الفتور الذي خيّم على علاقتهما بسبب دعم السعودية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وإعلان «الإخوان المسلمين» تنظيماً إرهابياً. رغم ذلك، لم تمنع تلك الخطوات من اعتراف الرياض لأنقرة بمطلق الصلاحيات للتصرف في الملف السوري، ما يفسره انتخاب خالد الخوجا المحسوب على أنقرة رئيساً للائتلاف السوري المعارض ثم زيارة زعيم تنظيم «جيش الإسلام» زهران علوش المحسوب على السعودية، تركيا ومشاركته في سلسلة من الاجتماعات مع قيادات المجموعات الإرهابية التي تقاتل في سوريا والمحسوبة على تركيا، بمشاركة مسؤولين من الاستخبارات السعودية والقطرية والأردنية.
وجرى التخطيط خلال هذه الاجتماعات لسلسلة من العمليات العسكرية في جميع الجبهات السورية مع تركيا والأردن ولبنان بهدف تضييق الحصار على دمشق وإسقاط النظام، أو بالحدّ الادنى إجباره على القبول بالإملاءات الإقليمية والدولية عشية اجتماعات جنيف أو المرحلة التي ستليها، بعدما بات واضحاً أن الدول المذكورة تريد أن تمسك بزمام الأمور مع اقتراب موعد الاتفاق النووي بين الغرب وإيران. تريد الرياض وأنقرة أن تقولا لطهران، إنهما صاحبتا الكلمة الأهم في تقرير مصير المنطقة، بما أنهما تتحكمان بأكثر من ٣٠٪ من الجغرافيا السورية.
من جهةٍ أخرى، يتحدث البعض عن سيناريوات المغامرة التي قد يلجأ إليها أردوغان وداوود أوغلو في حال تراجُع شعبية «العدالة والتنمية» عشية الانتخابات في حزيران المقبل، بهدف استفزاز المشاعر القومية للناخب التركي وإلهائه بقضايا خارجية، على أن يجري ذلك بواسطة حملة إعلامية مركزة ضد دمشق بالتزامن مع المزيد من الدعم التركي المباشر للجماعات الإرهابية، وفي ظلّ غياب أي اعتراض أميركي حازم في هذا الشأن. فالجميع يعرف أن ما سيقرر مصير كل الحسابات السعودية - التركية - القطرية، ليس قدرة هذه الدول على المناورة الإقليمية والدولية على الرغم من مليارات الدوحة والرياض، بل إرادة وقرار واشنطن التي لم تحسم بعد خياراتها وحساباتها، بما أن الأمور لم تصل بعد إلى نقطة الحسم في اليمن أو سوريا أو العراق. في هذا الوقت، تراقب الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، التطورات في مصر عن كثب، خصوصاً بعد الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيسين باراك أوباما وعبد الفتاح السيسي، وما تم تأكيده من دعم أميركي للقاهرة التي تجد نفسها في وضع صعب بسبب مساعي الرياض لجرها إلى مزيد من المغامرات.
ومن المرجح أن تكون الأمور أكثر وضوحاً بعد القمة المرتقبة بين أوباما وزعماء الخليج في ١٣ الشهر الجاري، الذي سيسبقه لقاء بين الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند مع زعماء الخليج في الرياض. كذلك، من المقرر أن يجتمع أوباما مع رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني الذي سيزور بعض العواصم الاوروبية في طريق عودته الى العراق ـ الموضوع الرئيسي في الحسابات الأميركية المهيئة لمحادثات أوباما مع حكام الخليج. أما هؤلاء، فإن جلّ ما يشغلهم حالياً هو محاولة عرقلة الاتفاق النووي مع إيران، ظناً منهم أن الاتفاق المحتمل سيمنح طهران المزيد من الإمكانات على مختلف الصعد، مع انعكاس ذلك على كل ملفات الإقليم، حيث تعلم الرياض أن دورها سيضعف كثيراً.