حاولت تركيا استثمار لحظة حملة «عاصفة الحزم» في اليمن بعد التوافق مع السعودية على الملف السوري، وصولاً إلى حالة من التنسيق بين الدولتين، ولا سيما بعد الدعم اللوجستي من واشنطن للحرب السعودية. فتركيا، مع ما تمتلكه من عناصر قوة وتفرُّد في المشهد السوري، يمكنها بنظر الحكام الجدد في السعودية، التقدم بسرعة لفرض «أمر واقع» في سوريا، بفضل علاقاتها الوثيقة مع المعارضة السياسية السورية ومع الفصائل العسكرية.


لذلك هي دفعت مسلحي «جبهة النصرة» إلى التقدم في محافظة إدلب بأعداد كبيرة مجهزة بأحدث الأسلحة الأميركية حيث تمكنت، بواسطة عنصر المفاجأة، من احتلال مواقع مهمة تزامناً مع التقدّم الميداني والمتتالي للمعارضة في مناطق أخرى مثل بصرى الشام ومعبر نصيب الحدودي، إضافةً إلى طرق أبواب مدينة حلب، وذلك على الرغم من تعهدها مع السعودية بتدريب «المعارضة المعتدلة»، بعدما وضعت «جبهة النصرة» على لائحة «الإرهاب».
ترى السعودية أن لتركيا القدرة على استثمار أي تطور أو ربما افتعال حدثٍ ما، يكون الذريعة لبدء عملية عسكري واسعة لاستنزاف حلفاء إيران عبر تقوية اللاعبين المحليين في مختلف الساحات.
من هذا المنطلق، تسود حالة من «التفاهم» بين تركيا والسعودية، وهو ما انعكس على شكل تطورات في الفترة الأخيرة كتقدم المعارضة السورية على أكثر من محور، الأمر الذي يوحي برفع سقف الدعم المقدم من هذه العواصم الداعمة، خصوصاً أن الرهان السعودي التركي لا يزال قائماً على السعي إلى إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، ولا سيما بعد تلميح الإدارة الأميركية إلى عدم معارضتها تحركاً عسكريّاً في سوريا.
أما في العراق، فيبدو أن حالة من التفاهم تسود بين تركيا والسعودية، وهو ما انعكس على شكل تطورات إيجابية في الفترة الأخيرة، منها تدريب تركيا لعناصر من العشائر العراقية السنِّية، في وقتٍ يتولى فيه عسكريون أتراك منذ العام الماضي تدريب قوات البشمركة الكردية في معسكرات داخل إقليم كردستان.
تستثمر كل من تركيا والسعودية انضمامها إلى محور واحد يضمهما مع قطر، حيث يقوم هذا المحور على أساس التعاون في ملفات المنطقة بعدما كانت أولويات السعودية منقسمة بين معالجة ملف «الإخوان المسلمين» والتصدي للتوسع الإيراني. وفيما يبدو أنها وضعت مواجهة إيران على رأس القائمة، أتاح ذلك مجالاً واسعاً لتعاون الرياض مع جماعات «الإخوان» بعد خلافات سياسية وعسكرية، ولا سيما أن هناك مؤشرات على إدراك تركيا أن المحور الإقليمي الذي انتظمت فيه مع قطر و«الإخوان» أصابها بخسارات إقليمية فادحة، خصوصاً في مصر وتونس وليبيا.
لكنها، على الرغم من ذلك، ما زالت ممسكة بورقة «الإخوان المسلمين» الذين جاءت مواقفهم إزاء «عاصفة الحزم» متشابهة إلى حد كبير من حيث التأييد الكامل، بدءاً من «جبهة العمل الإسلامي» في الأردن مروراً بحزب «العدالة والتنمية» المغربي وحركة «النهضة» التونسية، وصولاً إلى الموقف في كل من اليمن ومصر، من دون نسيان موقف حركة «حماس» أيضاً.
ومن الواضح أن السعودية تحاول تسوية موضوع «الإخوان» بالشراكة مع تركيا التي تطمح اليوم إلى إعادة فتح أسواق الخليج على مصراعيها للبضائع التركية وزيادة حجم التبادلات. وتحاول أيضاً الخروج من عزلتها بسبب سياساتها الإقليمية السابقة التي نتجت من عدم تبصرها وقياس إمكاناتها السياسية وقدراتها الفعلية. غير أن تركيا تعي في الوقت عينه امتلاك إيران أوراق قوة يمكنها تحريكها متى شاءت على المديين المتوسط والبعيد، في عدد من الدول الخاضعة لنفوذها إضافة إلى الخواصر الضعيفة للسعودية مثل منطقتها الشرقية والملف البحريني.