ربما كان رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، أكثر زعماء الأحزاب السياسية الكبرى شعبية في بريطانيا، وربما كان حزب «المحافظين»، الذي يتزعمه، أكثر الأحزاب استحواذاً على ثقة الشعب في ما يتعلق بالاقتصاد، بعدما ساعد في إنعاشه. لكن مستقبله السياسي على المحك، سواء انتهى السباق الانتخابي المحتدم، هذا الأسبوع، بفوزه أو بخسارته.

ما يمكن إدراكه حتى الآن، أن المنافسة ستحتدم بين حزبين أساسيين، هما حزب «المحافظين» بزعامة كاميرون وحزب «العمال» بزعامة إيد ميليباند، ولكن الاستطلاعات تشير إلى أن أياً من الحزبين لن يتمكن من الحصول على أكثر من ثلث الأصوات في انتخابات الخميس المقبل، ما يعني بالتالي أن البرلمان سيبقى من دون غالبية قد تسمح لأي من الحزبين بتأليف حكومة.

كاميرون وميليباند يسعيان إلى حصاد كل المقاعد الممكنة من أجل فرصة تأليف الحكومة المقبلة. وفي الوقت الذي يدخل فيه المتنافسون في آخر أسبوع من حملتهم الانتخابية، قام «المحافظون» و«العماليون» المتساوون في استطلاعات الرأي، بإطلاق آخر وعودهم، فيما حدّدت الأحزاب الصغيرة، التي يمكن أن ترجح الكفة، شروطها لتقديم دعمها لأي من الطرفين. وفي ظل هذه الظروف، سيعتمد السباق إلى رئاسة الوزراء، على الأرجح، على أحزاب مثل «الحزب القومي الأسكتلندي» و«الحزب الليبرالي الديموقراطي».
في الأيام الثلاثة الأخيرة من الحملة الانتخابية، دأب رئيس الوزراء المحافظ وزعيم المعارضة، على توجيه رسائل واضحة إلى الناخبين بشأن الخيارات التي أمامهم.
كاميرون قال إن «هذه بداية أسبوع ستقرّر فيه بريطانيا مستقبلها. وبحلول يوم الجمعة سأكون أنا أو إيد ميليباند رئيس وزراء البلاد»، مشيراً إلى أن «الأمر بسيط، فالخيار لا بد منه: إما أنا بقيادة حكومة قوية ومستقرة، أو هو والفوضى التي ترافق الارتهان إلى الحزب القومي الاسكتلندي». «صوتكم قادر على أن يحدث فرقاً وسيحدث فرقاً»، عقّب رئيس الوزراء البريطاني، فيما رأى ميليباند أن الانتخابات هي «صدام بين رؤيتين» حول الرواتب والصحة والشباب.
حاول هذا الأخير أن يعلّق المعركة الانتخابية على الخطط المختلفة بين المتنافسين على نظام الصحة الوطنية الممولة من الحكومة، قائلاً: «في الأيام القليلة الأخيرة من هذه الانتخابات العامة، مستقبل نظام الصحة الوطنية أمام أكبر خطر يواجهه منذ جيل»، ومؤكداً أنه «لا يوجد خيار في هذه الانتخابات أكبر من التوجه المستقبلي لنظامنا للصحة الوطنية الذي يعتبر ركيزة الأمان للعديد من أبناء الطبقة العاملة في بلادنا».
بموازاة ذلك، قام ميليباند بخطوة غير مسبوقة، حيث حفر وعوده الانتخابية الستة على لوح حجري بارتفاع 2,6 متر، ما أثار الكثير من السخرية في الصحف البريطانية. ونالت هذه الخطوة نصيبها من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما قلّدها آخرون بوضع قائمة تسوّق للأغراض المنزلية لعائلته.
لكن مع ذلك، يأمل ميليباند نصب اللوح الصخري، الذي يشتمل على وعود من بينها «العمل بشأن إيجارات العقارات» و«نظام الصحة الوطنية مع منح الوقت للرعاية»، في حديقة مقرّ الرئاسة في «10 داوننغ ستريت» في حال فوزه.
التمني والأمل مختلف عن الواقع، فالحملة الانتخابية التي تتمحور حول ثلاث قضايا أساسية، هي الاقتصاد والصحة والهجرة، لم تنجح حتى اللحظة في ضمان تفوّق «المحافظين» (في السلطة منذ 5 سنوات) أو «حزب العمال» المنافس في استطلاعات الرأي.
وبناءً عليه، يبقى السيناريو الأوضح، حتى الآن، أنه إن لم يحصل أي من الحزبين على الأغلبية لتشكيل الحكومة، سيؤدي ذلك إلى أيام وربما أسابيع من المفاوضات الحساسة مع الأحزاب السياسية الأخرى، لمحاولة التوصل إلى ترتيب لتشكيل حكومة مستقرة. وقد يعني هذا الواقع عقد صفقات مع الأحزاب الأصغر مقابل الاتفاق على وعودها الانتخابية، أو حتى التوصل إلى اتفاقات لتشكيل ائتلاف.
أما بالنسبة إلى كاميرون، بنحو خاص، فإن خسر في الانتخابات فسينتهي الأمر في الحال. وحتى إذا فاز في الانتخابات من دون أن ينال الأغلبية العامة، فقد يواجه تحديات على الزعامة داخل حزبه.
مع ذلك، تبقى من أقوى نقاط ملفه هو أنه انتشل الاقتصاد من انتكاسة شديدة لتحقيق واحد من أسرع معدلات النمو في العالم المتقدم. لكن نمو الأجور الحقيقية بدأ منذ فترة قريبة، ما يعني أن كثيراً من الناخبين يقولون إنهم لم ينتفعوا من التعافي الاقتصادي. أما من أكبر نقاط ضعفه، فهي أنه لم يستطع أن يقضي على الاعتقاد بين بعض الناخبين بأنه يقود «الحزب البغيض»، وهو مصطلح صاغته تيريزا ماي إحدى وزيراته، قبل أكثر من عقد لحث الحزب على أن يكون أكثر تقبلاً للآخرين.
وعندما هزمهم زعيم «حزب العمال» السابق طوني بلير في ثلاث انتخابات متتالية، شعرت بعض الشخصيات داخل «حزب المحافظين» بالقلق من أن يكون ذلك نتيجة لسمعة الحزب بأنه لا يبالي بالفقراء ويتقرب من أصحاب الأعمال الكبيرة ولا يتقبل المثليين والأقليات العرقية. فكان أن حاول كاميرون، الذي تولى زعامة الحزب في عام 2005، تغيير ذلك. وبدأ يتحدث عن البيئة و«المجتمع الكبير»، حيث يمكن التجمعات السكانية الحصول على مزيد من السلطات. وأثناء حكمه قام كاميرون بتقنين زواج المثليين وزاد المساعدات الخارجية، كذلك عيّن أول وزيرة مسلمة في الحكومة البريطانية.
لكن المساعي لتغيير صورة حزبه واجهت انتكاسة بسبب أسلوب إدارته لعجز الموازنة الذي ورثه ــ وهو الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية. ولتقليص العجز قام كاميرون بتقليص الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، وهو الأمر الذي يقول «حزب العمال» المعارض إنه أجبر الفقراء على دفع الثمن لتنظيف الفوضى التي سبّبها المصرفيون الأثرياء.
أخيراً، تشغل عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي الناخبين، ذلك أن رئيس كاميرون تعهد، في حالة إعادة انتخابه، بتنظيم استفتاء، بحلول 2017، حول انتماء بريطانيا إلى الاتحاد. وبالرغم من أنه يؤكد رغبته على البقاء في الاتحاد الإوروبي مع إجراء تعديلات على معاهداته، لكن الأكثر تشدداً في حزبه يدفعونه باتجاه الاستفتاء، فضلاً عن صعود «حزب استقلال المملكة المتحدة»، الذي يدعو إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي.
أما رئيس «حزب العمال» اد ميليباند، فقد كرر مرات عدة أن الخروج من الاتحاد الأوروبي لن يكون سوى «كارثة» على بريطانيا، وخصوصاً على صعيدي الاقتصاد وفرص العمل.
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)