غزة ــ رائد لافي


هتافات التنديد بالعرب، هي أول ما تبادر إلى أذهان سكان بيت حانون وهم يلملمون أشلاء 18 شهيداً، غالبيتهم من النساء والأطفال، أودت بهم آلة الحرب الإسرائيلية. لكن الهتافات والمناشدات ذهبت أدراج الريح، فـ“النوم” سيبقى سيد الموقف العربي

لم يكد سكان بلدة بيت حانون يلملمون جراحهم، بعد “الزلزال” الذي ضرب بلدتهم الزراعية الصغيرة خلال الأيام الستة من عملية “غيوم الخريف” العدوانية، حتى باغتتهم المدفعية الإسرئيلية بحمم قذائفها النارية وحوّلت حياتهم إلى “جحيم لا يطاق”.
24 ساعة فقط فصلت بين الانسحاب الإسرائيلي المخادع من وسط البلدة، والمجزرة البشعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي أمس، وراح ضحيتها 18 فلسطينياً بينهم 16 من عائلة واحدة، و8 أطفال.
وأطلق سكان البلدة على المجزرة اسم “قانا الفلسطينية”. وبدا المشهد فيها “مأساوياً”، ففاضت عيون الرجال والنساء والأطفال بالدموع من هول الصدمة، التي استيقظوا على وقعها عند الساعة السادسة من صباح أمس.
وتناثرت أشلاء الشهداء في الشوارع و“الأزقة”، واختلطت بالتراب وبرك الدماء، وركام المنازل المدمرة. وفي “مسرح” الجريمة كانت آثار الإرهاب الإسرائيلي وبصماته السوداء واضحة، بعدما تحوّلت المنازل الستة، التي استهدفتها قذائف المدفعية الإسرائيلية وسكانها نيام، إلى “خراب”، تناثرت فيها وحولها أشلاء الشهداء، وظهرت في ساحاتها الداخلية بقع دماء كبيرة.
نحو 11 قذيفة أطلقتها المدفعية الإسرائيلية المنتشرة على امتداد خط التحديد الفاصل بين القطاع وفلسطين المحتلة عام 1948، وفقاً لسكان البلدة، استهدفت أسرة العثامنة، التي فقدت 16شهيداً وعشرات الجرحى.
وصرخ محمد العثامنة، وهو يحتضن أصغر شهداء المجزرة الطفلة ملك (عام واحد) بين ذراعيه، “بأي ذنب قتلت؟”. وفاضت عيونه بالدموع وهو يهذي ويسير على غير هدى: “ربما كانت تحمل صواريخ تهدد أمن إسرائيل”.
ووقف آخر بين ركام أحد المنازل المستهدفة، وأمسك برضّاعة أطفال بلاستيكية، فيما كان العشرات من سكان البلدة يهتفون بعنف ويصبون جام غضبهم على الزعماء العرب ويتهمونهم بـ“التخاذل والعمالة”.
لكن محمد العثامنة، الذي بدا فاقداً لأعصابه، صرخ فيهم “لا أريد أن أسمع أسماء هؤلاء الخونة..لا نريد العرب..نستطيع هزم إسرائيل وحدنا”.
وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية فإن شهداء المجزرة هم: ملك العثامنة (عام واحد)، وميساء العثامنة (3 أعوام)، وفاطمة العثامنة (5 أعوام)، وسعدي أبو عمشة (8 أعوام)، ومحمود العثامنة (12 عاماً)، ومهدي العثامنة (13 عاماً)، ومحمد العثامنة (14 عاماً)، وعرفات العثامنة (17 عاماً)، ونهاد العثامنة (23 عاماً)، وسمير العثامنة (23 عاماً)، ومحمد العثامنة (24 عاماً)، وسناء العثامنة (30 عاماً) ومنال العثامنة (33 عاماً)، ونعمة العثامنة (57 عاماً)، وفاطمة العثامنة (70 عاماً،) وصباح العثامنة (45 عاماً)، ومسعود العثامنة (55 عاماً) وصقر عدوان (45 عاماً).
وأصيب في المجزرة نحو 53 فلسطينياً، وصف الطبيب معاوية حسنين مدير الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة حالتهم الصحية بأنها بين بالغة إلى خطيرة جداً.
وروت أسماء العثامنة (14 عاما)، الناجية الوحيدة من عائلتها، “كنا نائمين وأيقظنا سقوط قذائف على منزل عمي المجاور. ثم انفجر زجاج نوافذ منزلنا أيضاً”.
أضافت أسماء، التي أصيبت بشظية، “هربنا من المنزل لنتعرض للمطاردة خارجه. القذائف قتلت أمي وأختي وأصابت جميع إخوتي”.
أكرم، شقيق الرجال السبعة الذين استشهدوا، يكاد يكون قد فقد النطق ويقول بصعوبة وعيناه زائغتان في الفراغ، “لم أستطع أن أصدق عيني فقد رأيت ابنة أحد أشقائي وقد فصل رأسها عن جسدها بينما فقد أحد أشقائي يده”.
وفجأة تصرخ زعلة ابو جراد، جارة عائلة العثامنة وهي تقف على عتبة بيتها، "لماذا؟”. وتنتحب قائلة “عمري 60 عاماً ولم أر شيئا كهذا طوال حياتي”.
وضاقت البلدة الصغيرة بآلاف الفلسطينيين، الذين قصدوها منذ ساعات الصباح بعد تناقل أخبار المجزرة. وقال رئيس المبادرة الوطنية الفلسطينية النائب مصطفى البرغوثي إنها “مجزرة حقيقية.. أشلاء مقطّعة ونساء ممزقة وأطفال في عمر الزهور تقطّعت أوصالهم بالقذائف”. ووصف المجزرة بأنها “جريمة ضد الإنسانية”، وقال “لا يمكن وصف الجيش الإسرائيلي تحت هذا العمل إلا بأنه جيش من قتلة الأطفال والنساء”.
وبدا البرغوثي متأثراً من هول المجزرة، وقال “رأيت أجساد أطفال مقطّعة.. اليد في مكان والرجل في مكان آخر والرأس في مكان.. إنه شيء لا يوصف، بيوت آمنة وأطفالها يستعدون للذهاب الى المدرسة تُقصف بهذه الوحشية”.
وكانت حقائب محمد وأحمد البالغين من العمر ثماني وتسع سنوات معدة للذهاب الى المدرسة، ولكن قذائف الاحتلال لم تمهلهما الوقت.
وعجز مستشفى بيت حانون، وهو الوحيد في البلدة، عن تقديم الخدمات الطبية إلى المصابين، الذين يفوق عددهم قدرة المستشفى الذي يحوي 43 سريراً فقط، وفقاً لمدير المستشفى جميل علي.
وقال علي، لـ“الأخبار”، إن “إدارة المستشفى اضطرت إلى التعامل مع المصابين حسب خطورة الحالة، وإشراك مصابَين في سرير واحد، والاستعانة بمستشفيات أخرى تم تحويل بعض المصابين إليها لتخفيف العبء”.
ولم تستوعب الممرضة آمال (28 عاما) ما رأت عيناها في مستشفى الشهيد كمال عدوان شمال قطاع غزة وانهالت الدموع من عينيها صارخة: “أشلاء.. أشلاء.. أشلاء هذا إجرام إسرائيلي”. وهتفت بصوت لفت انتباه كل الموجودين في المستشفى: “وين العرب؟”.
وتقول آمال إن الإجرام الإسرائيلي لا يفرّق بين طفل وشاب ومقاوم، فالكل مستهدف، متابعة “إذا كنت فلسطينياً، فإن القذائف والرصاص الإسرائيلي سيطالك، فقط لأنك فلسطيني”.
ولم يتمكن ذوو الشهداء من دفن أحبائهم في مقابر البلدة، بفعل قطع قوات الاحتلال الطرق المؤدية إليها، واحتلالها المدخل الجنوبي والجهة الشرقية والشمالية منها.
واضطر سكان البلدة إلى دفن عدد من الشهداء في مقابر بديلة في البلدات المجاورة.
واتشحت مدن القطاع بالسواد، وساد الحداد العام والإضراب الشامل معظم أرجائه، وخرج الآلاف في مسيرات غاضبة للتنديد بالصمت العربي والدولي.
وفي دلالة نادرة على الوحدة، تبرّع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء اسماعيل هنية بدمهما معاً وزارا مستشفى بيت حانون، حيث يعالج بعض المصابين.
وتم سحب وحدتي دم من عباس وهنية، بعدما جلسا على سريرين بجانب بعضهما بعضاً في غرفة في مقر بنك الدم الفلسطيني في مدينة غزة.