القاهرة

عبد الحفيظ سعد

«الأخبار» التقت النائب الأول للمرشد العام لـ«الاخوان المسلمين» في مصر، الدكتور محمد حبيب، الرجل القوي وأحد اقطاب الصراع في الجماعة الموجودة منذ 70 عاماً في الحياة السياسية. الحوار مع حبيب تناول شكل النظام المصري إذا وصل «الاخوان» إلى الحكم، وتطرق الى الصراع الدائر في العراق، فضلاً عن الوضع في لبنان

¶ هل أخذت قضية وزير الثقافة فاروق حسني حجماً أكبر من حجمها؟
- لم نسعَ إلى ذلك، لكن الوزير تطاول على المحجبات وحاول «الحزب الوطني» الدخول في الهجوم حتى لا يتأثر وضعه السياسي بسبب كلام الوزير.

¶ «الإخوان المسلمون» في حالة اشتباك دائم مع الحكومة. هل تسعى الجماعة إلى حكم مصر وهل هي مستعدة لذلك؟
- «الاخوان» مستعدّون لحكم مصر بشرط أن يأتوا بانتخابات حرة ونزيهة مع وجود رأي عام قوي يدفع التجربة بما يضمن نجاح «الاخوان» في الحكم.

¶ لكن ماذا سيفعل «الاخوان» مع المؤسسة العسكرية؟
- ليس لدينا مشكلة مع الجيش، وله دوره في الدفاع عن الوطن وهو درع واق له.

¶ هل سيسعى «الإخوان» إلى توثيق علاقته بالجيش عن طريق توزيع المناصب كما يفعل النظام الحالي؟
- إذا وصلنا إلى الحكم فسنسعى للفصل بين السلطات والعمل على تعددية سياسية حقيقية، ستكون الديموقراطية عمادها الرئيسي، وسنخرج بقاعدة مفادها أن الأمة هي مصدر السلطات والشعب هو الذي سيختار حكامه وله الحق فى عزلهم.

¶ تتكلم كأنكم قريبون فعلاً من الوصول إلى السلطة؟
- لا، الطريق لا يزال طويلاً. نسعى الآن لتهيئة المناخ العام لتحقيق مزيد من الديموقراطية، وذلك من خلال إطلاق الحريات العامة وعلى رأسها حق إنشاء الأحزاب برغبة شعبية لا بأحزاب شكلية.

¶ معنى ذلك أنكم ستتقدمون بطلب إنشاء حزب سياسي؟
- نعم، سنسعى لإنشاء حزب.

¶ لكن هل ستُحلّ جماعة «الاخوان المسلمين» بعد إنشاء الحزب؟
- لا، لن تحلّ الجماعة.

¶ ولكن سيكون هناك ازدواجية بين الجماعة والحزب؟
- هذا الأمر لم نتحدث فيه حتى الآن ولم نحسمه، لكن ذلك لا يقلقنا لأن الأمر يمكن أن يحسم فى يوم وليلة. وكل ما نريده هو ديموقراطية حقيقية وانتخابات نزيهة.

¶ إذا حذفتم فكرة الدولة الدينية، ما الفرق بين خطاب «الاخوان» وخطاب «الحزب الوطني» الحاكم؟
- لا فرق فى نص الخطاب، لكن «الحزب الوطني» حزب فاسد وديكتاتوري لا يريد الحرية للشعب ولا يحترم الارادة الجماهيرية، كل ما يشغله أن يحكم ولا يعنيه الشعب. نحن في «الإخوان» نسعى إلى تحقيق حرية الشعب وسنفكر في الشكل السياسي وسنذهب للاقرار بحزب سياسي مدعوم بالقيمة الإيمانية.

¶ تتحدث عن جانب إخلاقي لا سياسي في برنامج الحزب. الاختلاف لا يمكن ان يكون في النيات فقط، الاختلاف هو في مشروع سياسي له شكل دولة وينظم العلاقة بين السلطات؟
- سنختلف عن «الحزب الوطني» الذي يزوِّر إرادة الأمة في كل الانتخابات، سواء البرلمانية أو الغرف التجارية أو العمالية أو الطلابية. نحن نسعى لأن تكون الأمة مصدر الحكم بما يتوافق مع شرع الله، بمعنى أن أي قانون أو تشريع سيصدر عن جهات التشريع المنتخبة من الشعب، لكن لا بد من أن يتوافق أي تشريع مع مبادئ الشريعة الاسلامية.

¶ لكن ماذا عن المسيحيين الأقباط؟
- ليس لدينا مشكلة. هم شركاء في الوطن، لهم كل الحقوق وعليهم كل الواجبات. لهم الحق في تولّي أي مناصب داخل الدولة بما فيها الوزاراة وعضوية مجلس الشعب والقضاء.

¶ لكن هذا يختلف عن شكل الدول الاسلامية المطبّق في نظم اسلامية قائمة الآن، حيث يستبعد غير المسلم بل أصحاب المذاهب المختلفة في الاسلام نفسه؟
- اننا نريد شكلاً للدولة متوافقاً يجمع كل عناصر الأمة. لكننا نفصل بين السياسة والدعوة، بمعنى أن حركتنا ستستمر فى دعوة المجتمع إلى الايمان.

¶ وماذا عن الأحزاب السياسية الأخرى ذات البرامج العلمانية؟
- سيسمح لها بالوجود، لكن الأمر سيتحدد بالقانون.

¶ ولكن أنتم الذين ستضعون القانون وسيكون إسلامياً وسيمنع أي اختلاف؟
- القضاء هو الذي سيحكم وهو صاحب القرار.
¶ القضاء سيحكم بالقانون الذي تضعونه وستحرمون الاختلاف لأنه سيسمّى قانوناً اسلامياً، أي ممنوع الاختلاف فيه؟
- هذا أمر طبيعي، لأننا لن نسمح بأمور تخالف الدين. هل يمكن أن تسمح لحزب للشذّاذ ونحن دولة اسلامية؟ هل نسمح لحزب يدعو إلى التعري والحانات والمراقص؟

¶ قبل عام 1952، كانت هناك حانات ومراقص، بل وبيوت للدعارة؟
- ولذلك ظهرت حركة «الاخوان المسلمين» لمنع كل ذلك ومحاربته، فنحن دولة إسلامية.

¶ ولكن ماذا ستفعلون مع السياحة والأجانب؟
- هذه أمور سنحددها في حينه.

¶ لكن الحرية الشخصية أقرّها الميثاق العالمي لحقوق الانسان؟
- سنأخذ من الميثاق ما ينفع ثقافتنا وعاداتنا. والميثاق يناسب الغرب وفيه الكثير الذي نختلف معه.

¶ لكن مصر وقّعت بالفعل على الاتفاق سنة 1948؟
- هذا لا يُلزمنا، ويمكن أن نلغي هذا التوقيع ما دام مختلفاً مع ثقافتنا.

¶ لكن ذلك سيوقع الدولة في مواجهة، وخاصة أن ملف حقوق الانسان والحريات عالمي؟
- نحن لن نمس حقوق الانسان، لكن لا أحد يلزمنا بما لا يتفق مع عاداتنا.

¶ تتكلمون بثقة وكأنكم الأقوى؟
- لا شك في هذا الأمر، فـ«الاخوان» هم الفصيل الوحيد الفاعل على الساحة السياسية، وإذا عرضنا الخريطة السياسية فى مصر نجد أن «الاخوان» يتفردون. والاحزاب الحقيقية مثل «التجمع» و«الوفد» و«الناصري» جماهيرها محدودة. اما «الحزب الوطني» الحاكم فهو كائن طفيلي قائم على أجهزة الدولة ومؤسساتها ومرتبط بها ولا قاعدة شعبية له ولا أحد يتمسك بمبادئه.

¶ لكن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، وهو زميل لك في مكتب الإرشاد، صرَّح بأنه إذا أجريت انتخابات حرة ونزيهة في مصر فلن يفوز «الاخوان» إلا بـ20 في المئة فقط من مقاعد البرلمان؟
- هو قال 20 في المئة، قد تزيد أو تنقص، لأن المشاركة في الانتخابات عندنا محدودة ونسبة التصويت في الانتخابات الأخيرة لم تزد على 17 في المئة. وهناك 77 في المئة من المصريين لم يقولوا رأيهم لعدم ثقتهم في الانتخابات، لكن إذا أجريت انتخابات نزيهة فقد يتغير الوضع.

¶ في حال وصول «الإخوان المسلمين» الى الحكم في مصر، هل تصدّرون أفكارهم إلى الدول العربية والاسلامية الأخرى من خلال التنظيم الدولي لـ«الاخوان» الموجودين في العديد من الدول؟
- لن نتدخل في شؤون الآخرين، والتنظيم الدولي لـ«الاخوان» يتصرف في كل قطر حسب الظروف المحيطة به، لكن إذا تأثرت شعوب أخرى وحذت حذونا فهذا حق للشعوب، غير أننا لن نسعى إلى تمويل أحد أو دعمه.

¶ وماذا سيفعل «الاخوان» تجاه الميراث السياسي مثل اتفاقية «كامب ديفيد» للسلام بين مصر وإسرائيل؟
- من الأعراف السياسية أن الدولة تراجع كل فترة زمنية الاتفاقيات التي وقعتها لتصحح مسارها، وهذا ما سنفعله. سندعو الى لجنة من خبراء الأمن القومي والاقتصاد والسياسة ليرفعوا رأيهم الى مجالس ديموقراطية تتخذ قرارها في الأمر، وعليها أن تتحمل تبعات قرارها.

¶ لكن ماذا عن الاعتراف بإسرائيل، وهو ما حصل في اتفاقية «كامب ديفيد»؟
- نحن معترضون على ذلك لأننا رفضنا «كامب ديفيد» ونرى أن قضية الاعتراف بإسرائيل لا تحسم الا بموافقة جماعية من الأقطار العربية والاسلامية.

¶ بالنسبة للعراق، هل يقترح «الإخوان» مخرجاً للصراع بين السنة والشيعة في هذا البلد؟
- أعتقد أن قضية السنة والشيعة سياسية بالدرجة الأولى وليست مذهبية أو طائفية. وأصابع الاحتلال الاميركي متورطة في كل ما يحدث.

¶ وهل ترون أن الصراع الدائر في لبنان مذهبي أيضاً. هل هناك من يريد دفعه الى هذه الصورة؟
- الوضع في لبنان مختلف. هناك فريقان، فريق يؤكد الهوية العربية للبنان وفريق آخر يريد نزع الهوية العربية عن لبنان ويلقيه في أحضان الغرب. ونحن نقول ان الحوار هو الذي يحلّ المشكلة وليس السلاح أو الاستقواء بالغرب. وأعتقد أنه لا مشكلة مذهبية في لبنان، بل على العكس، فإن التوازن في الطوائف جعل الناس متعايشة. وعلينا أن نتحرك لننقذ لبنان، فهو بلد عربي صميم وجزء من الأمة، ولو تركنا الأمر كذلك لضاع لبنان.

¶ ولكن في لبنان «الجماعة الإسلامية» وهي جزء من التنظيم الدولى لـ«الاخوان»، وهي تنتمي للسنة الذين يؤلفون الجزء الأكبر من جماعة 14 آذار؟
- ليس السنة جميعاً تابعين لجماعة 14 لآذار. وأعتقد أن الأخوة في «الجماعة الإسلامية» في لبنان لهم رأي مختلف ويقفون بجوار عروبة لبنان وضد التدخل الغربي. وهي لها ثوابتها، ولم تدخل الانتخابات الأخيرة عقب اغتيال (الرئيس الراحل رفيق) الحريري، لأن تيار «المستقبل» كان يمثل السنة واتفقا على عدم المنافسة.

¶ وهل ترى أن «الجماعة الإسلامية» أخطأت؟
- كانت لها حساباتها في تلك الفترة لأن الانتخابات جاءت عقب اغتيال الحريري.

¶ ولكن هل ستغيِّر «الجماعة الاسلامية» موقفها وتترشح في الانتخابات المقبلة؟
- أعتقد أن الظروف غير مهيأة وخاصة بعد اغتيال (النائب) بيار الجميل، فقد عادت اجواء ما بعد اغتيال الحريري، وأعادت عملية الاغتيال الأخيرة الظرف التاريخي بما يسمح لقوى «المستقبل» و14 آذار أن تستحوذ (على السلطة).

¶ هل تعتقد أن هناك أيدي خارجية في عملية الاغتيال الأخيرة؟
- بالتأكيد، أنا أكاد أجزم أن «الموساد»، مع الأصابع الأميركية، وراء عملية اغتيال بيار الجميل.

¶ رغم أن مجموعة 14 آذار تتهم سوريا بأنها وراء عملية الاغتيال؟
- علينا أن نبحث في هذا الحدث عن المستفيد. قبل العملية، كانت المعارضة اللبنانية في أشد زخمها وكانت تتقدم. وليس من مصلحتها أن تفعل هذا الشيء. ويبدو أن المستفيد يريد أن يهدد ثمار المقاومة وأيضا يخفف من تنامي تيار المعارضة، سواء حزب الله أو حركة أمل أو التيار الوطني الحرّّ، والذي كان يقف معه الشعب اللبناني بكل طاقته. وأتصور أن ما حدث هو للرد على صمود مقاومة حزب الله.
¶ في النهاية، ما هي الفكرة التي ترى بها حل الاشتباك بين الغرب وأميركا من جهة والدول الإسلامية من جهة أخرى؟
- أعتقد أن أميركا لا يمكن أن تدخل أي منطقة إلا عن طريق طابور خامس، مثلما فعلت في أفغانستان والعراق وأيضاً لبنان، والسفير الأميركى يؤدي دوراً من أخطر الأدوار مع مجموعة 14 آذار. وأظن أن (الأمين العام لحزب الله السيد) حسن نصر الله أعلن أن هناك توجيهات من السفير الأميركي في لبنان.



محمد السيد حبيب، النائب الأول للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، أستاذ متفرغ فى كلية العلوم جامعة أسيوط، مواليد دمياط ويبلغ من العمر 63 عاماً، متزوج وله 5 بنات و6 أحفاد، اعتقل أكثر من مرة، ويبلغ مجموع ما قضاه في المعتقل 7 سنوات