موسكو ــ حبيب فوعاني


لا توفّر الحكومة الإسرائيلية وسيلة إغراء لاستخدامها مع روسيا لوقف تعاونها التقني والعسكري مع إيران وسوريا، وكان آخرها التلويح بالاستثمارات الإسرائيلية الروسية. لكن يبدو أن موسكو لا تزال صامدة إلى الآن

الجهود الإسرائيلية للتحريض على إيران وسوريا لا تكلّ، فبعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت إلى موسكو، قام الجنرال عاموس جلعاد، المستشار السياسي لوزير الدفاع الإسرائيلي عامير بيرتس، بزيارة عمل سرّية إلى العاصمة الروسية للتهويل بشأن خطر البرنامج النووي الإيراني، ولتحذير الجانب الروسي من توريد الأسلحة والتقنيات العسكرية المتطورة إلى سوريا، التي يمكن برأيه أن تنتقل إلى أيدي المنظمات «الإرهابية» في الشرق الأوسط.
وعرض جلعاد، بحسب معلومات سرية حصلت عليها «الأخبار»، على المسؤولين الروس، التعاون مع إسرائيل في تصنيع الأسلحة وتسويقها، ما يعود على الخزينة الروسية بعشرات المليارات من الدولارات، في مقابل تقييد التعاون التقني النووي مع إيران، الذي لا تتجاوز قيمته مليار الدولار.
وحاول جلعاد فتح موضوع الأسلحة الروسية، التي يؤكد الإسرائيليون العثور عليها خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز وآب الماضيين، ولكن الجانب الروسي كان صارماً، كما كان خلال زيارة أولمرت، ورفض الخوض مرة أخرى في هذا الموضوع، باعتبار أن هذه الأسلحة قديمة الطراز، وتنتجها، إضافة إلى روسيا، دول المعسكر الاشتراكي السابق وبعض جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق ومن دون ترخيص روسي.
ووفقاً للمعلومات نفسها، يريد جلعاد استخدام الأموال الطائلة العائدة لرجال الأعمال الإسرائيليين المتحدرين من أصل روسي، والمطلوبين للعدالة الروسية، والذين حصلوا عليها في الغالب بشكل غير مشروع من الخصخصة الروسية في بداية التسعينيات من القرن الماضي وهرّبوها إلى إسرائيل، لتنفيذ مشاريع مشتركة مع روسيا.
وبذلك يضرب رجل المؤامرات الاستراتيجية في وزارة الدفاع الإسرائيلية عصفورين بحجر واحد: فمن ناحية، يتم الصفح عن رجال الأعمال، الذين ترفض إسرائيل تسليمهم إلى موسكو. ومن ناحية أخرى، تستخدم هذه الأموال من أجل المصالح الاقتصادية الروسية ولإغراء روسيا لإبعادها عن أصدقائها في الشرق الأوسط.
غير أن المسؤولين الروس، ووفقاً للمعلومات نفسها، أفهموا الضيف الإسرائيلي الثقيل بأن مغزى العلاقات الروسية مع دول الشرق الأوسط ليس مادياً. وقد قامت موسكو على سبيل المثال بإلغاء 73 في المئة من قيمة الديون العسكرية السورية (حوالى 10 مليارات دولار) في بداية عام 2005. ووقّعت اتفاقاً مع الجزائر في آذار 2006 ينص على تنازل روسيا عن جميع ديونها المستحقة على الجزائر والبالغة 7.4 مليارات دولار، ولا سيما أن الاقتصاد الروسي قد استعاد عافيته بعد انهيار الأمبراطورية السوفياتية. وخير دليل على ذلك بلوغ احتياطي الذهب والعملات في 15 تشرين الثاني من العام الجاري 279 مليار دولار.
وكان أولمرت قد أخفق في الحصول على موقف رسمي واضح يساند التعاطي الإسرائيلي مع الملف النووي الإيراني، إذ لم تفلح «حفاوة الاستقبال»، التي حظي بها، في إخفاء اختلافات الطرفين في موضوع حظر السلاح على سوريا وإيران.
وحاول أولمرت الإيحاء بأن زيارته حققت ثماراً إيجابية لإسرائيل، بالإشارة إلى أن موسكو تتفهم الخطر الآتي من إيران. إلا أن وكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية الروسية نقلت حينها عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قوله «إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تبلغهم بأن المشروع النووي الإيراني يشكل تهديداً للسلام والأمن».
ويعدّ جنرال الاحتياط عاموس جلعاد أحد غلاة المتشددين في وزارة الدفاع الإسرائيلية، وكان أول من أدلى بتصريحات عن احتمال قيام صدام حسين باستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد إسرائيل لجرّ إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون لشن الحرب على العراق، وهو الذي حرّض إدارة الرئيس الحالي جورج بوش على مقاطعة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وحضّ رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرييل شارون على التخلص منه. كما كان جلعاد موجوداً في مخيمي صبرا وشاتيلا عام 1982، عندما ارتُكبت، بتوجيه من شارون، المذبحة الشهيرة ضد الفلسطينيين.