رشيد أسعد


رغم إصرار الولايات المتحدة ودول «الترويكا» الأوروبية على منع إيران من تخصيب اليورانيوم وتطوير برنامجها النووي، فاجأت طهران العالم بإعلانها تشغيل سلسلة ثانية من الطرود المركزية. والمؤدّى التقني المباشر لهذه السلسلة الجديدة هو زيادة نسبة التخصيب. إنه إصرار من هناك على المنع وعناد من هنا لامتلاك الدورة النووية كاملة. لكن ما هو التخصيب وما هي أجهزة الطرد المركزي؟ وما دلالات التطور الأخير تقنياً وعملياً؟
يوجد اليورانيوم في الطبيعة بنوعين (Isotopes): يورانيوم 235 القابل للانشطار لتوليد الطاقة النووية، ويورانيوم 238 غير القابل للانشطار. لكن النوع الأول موجود بنسبة ضئيلة هي 0.7 في المئة والنسبة الباقية تكون للنوع الآخر. هذا يعني أنه إذا أخذنا من الطبيعة بشكل عشوائي كيلوغراماً من خام اليورانيوم، يكون فيه 7 غرامات فقط قابلة للانشطار و993 غراماً غير قابلة.
يُستخرج اليورانيوم، وهو معدن رمادي مائل الى الصفرة، من الأرض حيث يتعرض لعملية طحن وغربلة وتنظيف من الأوساخ والشوائب الأخرى. من ثم يمزج بالأوكسجين ليأخذ شكلاً صلباً يعرف بالكعكة الصفراء (Yellow Cake). بعد ذلك يتم تحويله حرارياً الى الحالة الغازية ويمزج بغاز «الفلورين» فينتج الغاز الذائع الصيت «سادس فلورايد اليورانيوم» (UF6). يذكر أن اليورانيوم يُحوَّل الى غاز بهدف تخصيبه عبر طرده، إذ لا يمكن طرده وهو في الحالة الصلبة أو السائلة كما سيبيّن في السياق.
التخصيب هو آلية لزيادة نسبة اليورانيوم القابل للانشطار في خام اليورانيوم، وذلك عبر طرد اليورانيوم غير القابل للانشطار منه. ويتم هذا تبعاً لقانون فيزيائي ينص على أن كل جسم يسير بشكل دائري يتعرض لقوة تحاول طرده عن مركز الدائرة، وكلما كان الجسم أثقل تعرّض لطرد أقوى. من هنا جاء مصطلح «الطرد المركزي».
نووياً، يكون جهاز الطرد المركزي على شكل أسطوانة معدنية تدور حول محورها عمودياً بسرعة فائقة. عندما يضخ فيها غاز اليورانيوم، يتعرض لطرد عنيف فيذهب جزء من اليورانيوم 238 غير القابل للانشطار الى محيط الأسطوانة (يتعرض لطرد أقوى لأنه أثقل) ويتركز اليورانيوم 235 الأخف في الوسط مع زيادة نسبته، وينقل بعد ذلك الى جهاز آخر عبر أنابيب عالية التقنية. وهكذا من جهاز الى جهاز تزداد نسبة اليورانيوم 235.
ووصلت إيران سابقاً الى نسبة 3.5 في المئة باستخدام سلسلة من 165 جهاز طرد مركزي. هذا يعني أنه أصبح لديها في الكيلوغرام الواحد من خام اليورانيوم 35 غراماً قابلة للانشطار. وعندما يتم ربط السلسلة الثانية التي أعلن عنها أخيراً بالسلسلة الأولى ستصل طهران الى نسبة أعلى من التخصيب. يُشار الى أن نسبة التخصيب الصالحة للاستخدام العسكري يجب أن تصل الى 90 في المئة كحد أدنى. وهذا يحتاج الى سلسلة من أكثر من 3 آلاف جهاز طرد.
أصبح واضحاً الآن، من حيث الدلالة، أنه كلما زادت نسبة التخصيب زاد عدد ذرات اليورانيوم القابلة للانشطار، وبالتالي يتم الحصول على طاقة مولّدة أكبر. وبما أن الطاقة النووية ليست مطلوبة لذاتها بل لتحويلها الى أشكال أخرى من الطاقة، تصبح هذه الزيادة هامة للغاية في اتجاهين: طاقة أكبر في زمن محدد، أو طاقة ثابتة لزمن أطول. نذكر على سبيل المثال، أن 3 كيلوغرامات من اليورانيوم الجيد التخصيب داخل مفاعل نووي، يمكن أن تضيء مدينة بحجم بيروت لمدة عام كامل. كما أن حوالى 8 كيلوغرامات من اليورانيوم العالي التخصيب يمكن أن يُحدث انفجاراً نووياً بقدرة تدميرية 20 كيلو طن (20 ألف طن من الـ «TNT»).
تقنياً، يبدو أن إيران تسير على السكة النووية بهدوء وثبات، بينما تعيش الولايات المتحدة ومن معها حالة من انعدام الحيلة وانعدام الوزن إزاء هذا الملف، وخاصة إذا أضفنا الى هذا الملف ما استجدّ أخيراً عند بيونغ يانغ في المقلب الآخر من آسيا.