قدس المحتلة ــ سعيد الغزالي


أسقطت الحرب بين لبنان واسرائيل، التي شهدت انكساراً اسرائيلياً امام مقاتلي حزب الله في الجنوب اللبناني، استراتيجية التفاوض العربية التي طالما اعتمدت على «النيات الحسنة»، لكنها لم تردع المفاوضين عن الاستمرار في السير في النفق المظلم نفسه، الذي يقود إلى القبول بفتات لا يعني التحرير والاستقلال. هُزم العرب في معظم معاركهم مع إسرائيل، وهذه أول حرب ينتصرون فيها بوضوح، وعليهم أن يستثمروا النصر.
لم يكن انتصاراً وهمياً صفقت له الجماهير من المحيط إلى الخليج، ثم انتكست أحلامها، كما حدث في معظم الحروب. فقد ذابت الثلوج عن النصر الوهمي، وظهرت الحقيقة المرة، وكانت هزيمة اسرائيل.
يختلف الأمر هذه المرة. كان النصر حقيقياً. كان «اختراقاً تاريخياً، بداية مرحلة جديدة في الصراع». هكذا يتحدث أستاذ العلوم السياسية عبد الستار قاسم عن انتصار حزب الله في لبنان.
والعبرة ليست في الوصف، ثم «كفى الله المؤمنين شر القتال». لكن السؤال الذي يجابه الفلسطينيين (وكل العرب أيضاً) هو «كيف يترجم هذا الاختراق في الساحة الفلسطينية، باتجاه تجذير المقاومة ومنع الانهيار؟».
في الصراع مع إسرائيل، الفلسطينيون هم الحلقة الأضعف. هكذا شاءت ظروفهم، وهكذا وضعوا أنفسهم، وهكذا يتصرفون، رغم تمكنهم، عبر إرادتهم الصلبة، أن يصمدوا ويستمروا في المقاومة.
يقول قاسم ان انتصار حزب الله هو «إعلان وفاة للحقبة السعودية، ونفوذها الذي هيمن على النظام العربي منذ هزيمة العام 1967»، مشيراً الى أن «الفلسطينيين سيتأثرون بالتحولات المتوقعة في المنطقة، الناتجة من هذه الوفاة». ويوضح: «سيزحف على هذه المرحلة (السعودية) النفوذ السوري والإيراني وحزب الله. نحن سنتأثر بالطبع».
وتتمثل آفاق التأثر، بحسب قاسم، في «تجذر فكر المقاومة، المستوحاة من حزب الله». ويضيف: «ستطالب الجماهير المقاومة بأن تكون سرية، وأن تتحلى بالأخلاق الرفيعة، وأن تبتعد عن المظاهر والاستعراضات العلنية، والنضال التلفزيوني». ويتابع: «سيزيد نقد ما ورثناه عن الحقبة العرفاتية: كالفهلوة، والكذب، والفساد، وشراء الذمم».
ويرى المحللون أن الحرب الأخيرة ستتبعها حرب أخرى، تشنها إسرائيل لاستعادة كرامتها المهدورة. وفي مرحلة الاستعداد للحرب المقبلة، ستحاول إسرائيل أن تستخلص العبر، ومنها الضعف الاستخباري والمعلوماتي عن حزب الله وقدراته العسكرية، وحربها غير الفعالة، وضعف دباباتها التي دمرت أمام صواريخ حزب الله.
على الصعيد المعنوي، وجد الخطباء، ميدانياً، في هذا الانتصار مادة مفيدة لشحذ همم آلاف المشاركين في مسيرة الانتصار دعماً لحزب الله في مدينة غزة.
ولم تفعل الجماهير، في هذه المرحلة، أكثر من المسيرات في الشوارع والهتاف ورفع اللافتات والأعلام.
وترافقت هذه المسيرات مع تصاعد النداءات لتفكيك السلطة، ومنها كان صوت ناصر جمعة، القائد السابق لـ«كتائب شهداء الأقصى»، التابعة لحركة «فتح»، الذي انتخب عضواً في المجلس التشريعي عن الحركة.
كان موقفه الداعي لتفكيك السلطة فردياً، إذ لم تقم «فتح» بتفكيك السلطة، ولن تفعل، وخصوصاً أن المتنفذين في الحركة، أعضاء اللجنة المركزية، تخشبت أصواتهم ومواقفهم بفعل المنافع الشخصية.
«أنا مع حل السلطة، لكن الموقف داخل حركة فتح لا يسير في هذا الاتجاه»، قال جمعة لــ«الأخبار».
ولم تحسم «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس) أمرها، فهي تضع رجلاً في ساحة المقاومة، ورجلاً أخرى في ساحة السلطة. وتدور في داخل الحركة نقاشات عن اضرار وفوائد المزاوجة بين السلطة والمقاومة.
ويرى قاسم أن تيار «الإخوان المسلمين» يتجه أكثر نحو المهادنة مع السلطات العربية لا الصدام، ومنها السلطة الفلسطينية.
ويتوقع أن تكون تداعيات حرب «الوعد الصادق» (بين لبنان واسرائيل) على الجبهة الفلسطينية بطيئة ومتدرجة، نظراً لغياب قيادة حقيقية متحدة، وضعف قدرات المقاومة العسكرية وهشاشتها التنظيمية، فضلاً عن انسداد الأفق السياسي في وجه السلطة الفلسطينية.
رغم ذلك، فحركة التاريخ لا تتوقف. هذه أول حرب أحبها العرب من المحيط إلى الخليج. وكانت أولى نتائجها سقوط استراتيجية التفاوض في ظل حالة من التخبط تعيشها الأنظمة العربية.