واشنطن ــ طارق منصور


بدأت تتصاعد في إسرائيل وفي دوائر عسكرية اخرى، لا سيما داخل الولايات المتحدة، اسئلة محرجة حول إخفاق الجيش الاسرائيلي في تحقيق مراميه العسكرية في الحرب الأخيرة مع حزب الله، أي القضاء على البنية التحتية للمقاومة الإسلامية.
ويشير خبراء عسكريون اميركيون الى ان قراءة متأنية لوقائع المواجهة الميدانية بين الجيش الاسرائيلي ومقاتلي المقاومة، اضافة الى العودة الى تتبع التحولات التي غيّرت وجه هذا الجيش، تفضي الى مجموعة استنتاجات تنفي «شخصنة» الهزيمة العسكرية برئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال دان حالوتس وحده.
ويذكّر هؤلاء بأن الجيش الاسرائيلي لم يخض منذ اجتياح لبنان عام 1982 أية حروب واسعة النطاق. ومع تضاؤل امكانية نشوب حرب جديدة بينه وبين الجيوش النظامية العربية، راحت المؤسسة العسكرية الاسرائيلية تتأقلم اكثر فأكثر مع مستجدين:
1ــ التضخم المتسارع الذي شهده قطاع التكنولوجيا الاسرائيلي سواء في الصناعات العسكرية أو المدنية.
2ــ انخراط الجيش في عمليات محدودة تتطلب سرعة الحركة والانتشار، مسبوقة بتهيئة ميدان المواجهة بقصف جوي مكثف.
وبلغ المستجد الثاني ذروته مع حلول دونالد رامسفيلد في وزارة الدفاع الاميركية ورؤيته «الثورية» لتحويل الجيش الأميركي وأقلمته مع تحديات العصر. ففي عام 2002، حث رامسفيلد قادته العسكريين على التفكير كرأسماليين مغامرين، قاصداً الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، من قبيل الطائرات من دون طيار وأسلحة تستوحي تقنيات الفضاء، فضلاً عن حرب المعلوماتية. ووفق رؤية وزير الدفاع الاميركي، تصبح دبابة «M1-ABRAMS» بلا جدوى في الحروب الحديثة، وتتراجع اهمية قوات المشاة أمام أسلحة الجو الدقيقة التصويب والاستهداف.
وأوضح رامسفيلد فلسفته العسكرية الجديدة بالتالي: «إن التحديات التي تفرضها التهديدات غير الاعتيادية في عصر يتسارع فيه التقدم التكنولوجي تفرض تحولاً في بنية الجيش. فالقرن الحادي والعشرون، منذ هجمات 11 أيلول (2001)، يحفل بأحداث غير منتظرة وغير متوقعة، وبالتالي ينبغي تركيز الجهد على التأقلم لمواجهة الخصوم المسلحين بالعتاد الخفيف، والمجموعات التي تتميز بخفة الحركة، في سياق الحرب العالمية على الارهاب».
وخلص وزير الدفاع الاميركي الى حتمية الإقلاع عن التدرب على خوض الحروب التقليدية «غير الواردة بعد الآن». غير ان نظرية رامسفيلد حول الجيش السريع الحركة وذي القدرة على توجيه الضربات الخاطفة، أثبتت خللها في الاختبار المباشر على أنقاض العراق، فالمؤسسة العسكرية الاميركية تدفع أثماناً باهظة في هذا البلد جراء إصرار رامسفيلد في بداية الحرب على عدم خوضها بجيوش ضخمة وجرارة، بينما أجبرت القوات الأميركية على الغوص في حرب عصابات طويلة الأمد تفرض بدورها الاستعانة بالمدرعات الثقيلة وقوات المشاة، العنصرين اللذين قلل رامسفيلد من شأنهما.
ويقول الخبراء الاميركيون ان اصداء «ثورة» رامسفيلد ترددت في اروقة وزارة الدفاع الاسرائيلية. ولا غرابة في ذلك، فالتعاون العسكري بين اسرائيل والولايات المتحدة لا توازيه اي حالة في العالم. والحال هذه، فإن بوادر الاخفاق التي شرعت بالظهور منذ العمليات البرية الاسرائيلية الاولى خلال حرب لبنان الأخيرة، حدت بالخبراء العسكريين الاميركيين للاشارة إلى مفاعيل «امركة الجيش الاسرائيلي». وقال أحد الخبراء إن ظلال الفشل في العراق ظهرت في جنوب لبنان. فعلى سبيل المثال، العبوات الناسفة التي باتت كابوساً للجيش الاميركي في العراق، ويعرّف عنها باللغة العسكرية بــ«IED»، تجد ظلالها في الصواريخ المضادة للدروع التي فتكت بدبابات الجيش الاسرائيلي وجنوده.
وبرغم الفشل الاميركي في إخضاع حرب العصابات في العراق، ظل التخطيط الاستراتيجي الاسرائيلي يساير «ثورة» البنتاغون لجهة الاعتماد المتزايد على مكتسبات التكنولوجيا ونتائجها. ولعلّ القيادة العسكرية في إسرائيل وجدت ما يؤكد صحة خياراتها في القفزات النوعية المنجزة في قطاع التكنولوجيا العسكرية داخل الدولة العبرية، وتمكُن الجيش من تحقيق نجاحات يمكن الاعتداد بها خلال حربه المعلنة على الشعب الفلسطيني منذ اندلاع الانتفاضة الثانية.
وأدى انحسار السوق العالمية للسلاح التقليدي منذ مطلع التسعينيات الى تعزيز قطاع التصنيع العسكري الاسرائيلي قدراته في مجال تكنولوجيا الاتصالات والالكترونيات الدفاعية. وتنوعت صناعة التكنولوجيا العسكرية في إسرائيل بدعم مباشر من واشنطن سواء من خلال «الهيئة الاميركية ــ الاسرائيلية للعلوم والتكنولوجيا»، او من خلال المشاريع المشتركة. فقامت اسرائيل بتطوير الاقمار الاصطناعية من طرازي «افق» و«عاموس»، ونظام «أرو» المضاد للصواريخ، فضلا عن الطائرات من دون طيار (MK). وبلغت عائدات التصدير العسكري الاسرائيلي، عبر توجهها التكنولوجي، حوالى 3،5 مليارات دولار سنويا.
وسكرت القيادة العسكرية، على ما يبدو، بتفوقها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حتى جرى تقليص خدمة قوات الاحتياط وتراجعت درجة الجهوزية، وأصبح الايمان بـ«إله الجو» راسخا لا يتزعزع. وفوجئ الجيش المدجج بالتكنولوجيا، خلال حرب لبنان، بقدرات المقاومة الاسلامية ودرجة جهوزيتها، فمني بهزيمة في مواجهة مقاتليها.
اسئلة كثيرة سيتعين على وزارة الحرب الاسرائيلية الاجابة عنها بعد الحرب الأخيرة، ومراجعات جذرية ستشمل استراتيجية الجيش واعتماده المتزايــــــد على سلاح الجو والتكنولوجيا.