غزة ــ «الأخبار»


الحركة النشطة التي تشهدها سوق الزاوية التاريخية في مدينة غزة لا تعكس بالضرورة قوة شرائية؛ فكثير من المتسوقين يكتفون بمجرد النظر إلى البضائع التي لم تتغير أسعارها، لكن أوضاعهم هي التي تغيرت، حتى أصبح كل شيء في نظرهم غالياً ولا يستطيعون شرائه.
وبدت حال السوق لا تختلف كثيراً عن الحال السياسية الفلسطينية التي يشوبها الركود، رغم الحديث بـ«إيجابية» عن بدء المشاورات لتأليف حكومة ائتلاف وطني، ينظر إليها السياسيون كآخر الآمال للخروج من الأزمة الراهنة.
كانت الفلسطينية سعاد أبو شرخ (27 عاماً) واحدة من بين المتجولين في السوق. قالت، والحسرة تملأ قلبها وعينيها: «منذ ساعات الصباح وانا اتجول مع ابنتي الوحيدة على أمل أن أجد لها زياً وحقيبة مدرسية بسعر مناسب، لكن من دون جدوى».
كثيرة هي الأزياء والحقائب المدرسية التي أعجبت روان (7 أعوام)، لكن أسعارها لم تكن في متناول والدتها، التي اعتصرها الألم وهي تعتذر من ابنتها الوحيدة التي أمسكت بحقيبة نُقشت عليها صورة للدمية «فلة» التي تظهر في الرسوم المتحركة للأطفال. قالت لها: «سأشتري لك أفضل منها بسعر يناسبنا».
لم تشأ سعاد في البداية الحديث لـ«الأخبار»، لكنها تراجعت. ربما في محاولة منها لإيصال رسالة إلى طفلتها الصغيرة التي لم تتفتح مداركها بعد لتقدير الظروف الراهنة. تساءلت بمرارة: «كيف أستطيع أن أبرر لروان أنني لم أتسلم راتبي كاملاً منذ خمسة أشهر ولا أستطـــــــيع شــــراء الحقيــبة التي تريدها؟».
ثمن «حقيبة فلة»، التي أعجبت روان، ربما لأنها رأت عليها الدمية الخفيفة الظل التي تظهر في الرسوم المتحركة التي تتابعها بشغف عبر قناة للأطفال، 60 شيكلاً فقط (نحو 13 دولاراً)، بحسب سعاد التي تعمل موظفة في إحدى الوزارات الحكومية.
ولم يتقاضَ موظفو السلطة الفلسطينية في القطاعين المدني والعسكري رواتبهم الشهرية كاملة، بسبب قرار المجتمع الدولي وقف المساعدات المالية عن الشعب الفلسطيني في أعقاب فوز «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس) في الانتخابات التشريعية الأخيرة وتشكيلها الحكومة الحالية في 29 آذار الماضي.
ووفقاً لسعاد، إن زوجها أيضاً يعمل في إحدى الوزارات الحكومية، ويسري عليه الأمر ذاته. تقول: «أعلم أن وضعنا المعيشي أفضل من غيرنا، لكن الأزمة خانقة ويجب علينا ترشيد المصاريف».
ولا يكترث الفلسطينيون بأحاديث السياسيين عن تشكيل حكومة وحدة وطنية، وتصريحات بث الأمل عن قرب تفكك الحصار الدولي الخانق. وبحسب كثير من المتجولين في السوق، فإنهم لا يكادون يشعرون بوجود الحكومة.
كان أبو محمد صبابة (53 عاماً) واحداً من هؤلاء. قال: «يا عمي أي حكومة هذه، إحنا (نحن) والحكومة في الهوا سوا». في إشارة إلى عجز الحكومة وعدم قدرتها على تلبية متطلبات المواطنين.
وأضاف أبو محمد، الذي اصطحب أولاده الأربعة إلى السوق، كي يشتري لهم ما يلزم للمدرسة: إننا «لا نلوم الحكومة، فهي تتعرض لما يتعرض له باقي الشعب من اعتداءات واعتقالات طاولت وزراء ونواباً»، لكنه يرى، في الوقت نفسه، أن «من واجبها البحث عن حل للخروج من الوضع الحالي حتى لو كان حل السلطة (الفلسطينية) وعودة الأمور إلى ما كانت عليه سابقاً».
وكثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن أهمية البحث في جدوى استمرار السلطة الفلسطينية بشكلها الحالي، وسط انتهاكات إسرائيلية صارخة لم تستثن قادة يتمتعون بالحصانة، لكن يبدو أن الحديث عن حل «السلطة» انتقل من الأوساط الرسمية إلى العامة الذين يشعرون بضيق الحال في جوانب حياتهم كافة.
وكغيره من العمال الذين كانوا يعملون داخل الدولة العبرية، فقد أبو محمد عمله مع اندلاع انتفاضة الأقصى الحالية في 28 أيلول 2000، بسبب سياسة الحصار ومنع العمال من سكان قطاع غزة من الوصول إلى أماكن عملهم.
ولا يخجل أبو محمد من التصريح بأنه يبحث عن بضائع صينية تمتاز بانخفاض أسعارها كي يتمكن من تلبية طلبات أولاده ومستلزماتهم. يقول: «حتى البضاعة الصينية أصبح العثور عليها صعباً في ظل سياسة الحصار وإغلاق المعابر».
وتشير تقديرات فلسطينية إلى أن أكثر من 60 في المئة من فلسطينيي غزة عاطلون مـــــن العمل، فيما يعيش أكثر من 50 في المئة منهم تحت خط الفقر، أي إنهم يعتاشون على أقل من دولارين يومياً.