القاهرة | لم يكن أكثر المتفائلين بنجاح الزيارة الأولى للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، للعاصمة الألمانية برلين يتوقع أن تمر الزيارة دون مشكلات كبيرة باستثناء وصف «مساعدة صحافية» الجنرال المصري بالسفاح في نهاية المؤتمر الصحافي المشترك مع المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، بعد عجز تلك الصحافية عن طرح أسئلة خلال المؤتمر الذي استضافه مقر المستشارية.


يمكن تقويم الزيارة في ضوء عدة معطيات سياسية واقتصادية، لكن اللافت أن وفود الدبلوماسية الشعبية والوفد الإعلامي المرافق للرئيس كانوا أكثر من أساؤوا للزيارة، مع أن توجههم مرتبط بالأساس بدعم الزيارة وإظهار «حقيقة أوضاع حقوق الإنسان في مصر وديموقراطية النظام السياسي»، لدرجة أن رجل الأعمال محمد أبو العينين، وهو مالك شبكة قنوات «صدى البلد»، نشر صفحة إعلانية لعرض الأوضاع المصرية في اثنتين من أكثر الصحف الألمانية توزيعاً، بالتزامن مع وصول السيسي.
الملاحظات السلبية على الوفود المرافقة للرئيس جاءت من الصحف الألمانية التي اعتبرت هتاف الصحافيين المرافقين له في نهاية المؤتمر «تحيا مصر» أكثر من مرة «تصرفاً غير مقبول» ولا يجري عادة في المؤتمرات التي تعقد داخل مقر المستشارية.
كذلك جاءت بعض تظاهرات المصريين المؤيدين من الوفد الفني والسياسي مزعجة للألمان الذين استغربوا وجود المصريين في كل مكان يتوجه إليه السيسي خلال الزيارة، وفي المقابل كانت الوقفات المعارضة له أقل عدداً وتأثيراً من المتوقع لأنصار «جماعة الإخوان المسلمين» والمنظمات الدولية مثل «العفو الدولية»، فيما اتهم مقربون من الرئاسة «الإخوان» بدفع 100 يورو لمواطنين سوريين وأتراك من أجل التظاهر ضد السيسي ومحاولة إفساد الزيارة.
أيضاً، جاء غياب التظاهرات المعارضة التي كان يتوقع أن تكون أكثر ضراوة لتُسهم في تحسين لهجة عدد من الصحف الألمانية في اليوم الثاني من جولة السيسي التي اختتمها مساء الخميس، إذ أجرى الرجل لقاءات صحافية مع ممثلي وسائل الإعلام الألمانية، وحواراً للتلفزيون الألماني، وهي اللقاءات التي قامت الرئاسة المصرية بترتيبها لإيصال رسائل فيها للمعارضة الألمانية التي تحفظت عن الزيارة.
وقبل وصول السيسي إلى برلين، كانت الصحف الألمانية تشن هجوماً عنيفاً على الزيارة، بل انتقدت بعض الصحف موقف ميركل من استقبال الرئيس المصري دون إجراء الانتخابات البرلمانية حتى الآن في بلاده، وكذلك في ظل وجود الآلاف من المحبوسين على ذمة قضايا سياسية.
وبالعودة إلى التقويم السياسي للزيارة، فإن السيسي نجح في كسر العزلة السياسية مع الألمان التي تشكلت عقب إطاحة الرئيس الإسلامي الأسبق محمد مرسي عن الحكم، وهو الكسر الذي يتوقع أن يسهم في زيادة مجالات التعاون المشترك، الرسمية أو غير الرسمية، بين كبرى الشركات الألمانية التي التقى السيسي ممثليها في اجتماع مطول خلال الزيارة.
وعموماً، أظهر السيسي قوة في إجاباته عن أسئلة الصحافيين في ما يتعلق بالأوضاع الداخلية لبلاده، إذ أكد أن «الثورة التي أطاحت مرسي أنقذت المنطقة من الانهيار والإرهاب وجنبت مصر الدخول في حرب أهلية»، مشيراً إلى أن مصر «لو وصلت إلى هذه المرحلة، فإن برلين كانت ستكتفي بإلقاء المساعدات بالطيران». كذلك اعترف بوجود قصور في «توصيل الصورة الحقيقية والواقع المصري إلى الألمان، خاصة أن مؤسسة الجيش ملك للشعب وليس لأي حاكم»، مشيراً إلى أن مصر «دولة دستورية منذ 100 عام وتعلي سيادة دولة القانون واحترام أحكام القضاء».
في المقابل، فإنه أكد أنه لن يناقش أحكام الإعدام أو يعقب عليها، ولكنه شرح في الوقت نفسه أن غالبية الأحكام الصادرة «غيابية» وتسقط بمجرد مثول المتهم أمام المحكمة طبقاً لإجراءات القانون، فضلاً عن أن الأحكام الحضورية سيجري الطعن فيها أمام محكمة النقض كإجراء قانوني قبل تنفيذ الحكم. وكذلك لفت إلى أن هناك إجراءات طويلة تنتظر القضية الخاصة بإعدام مرسي، مكتفياً بالتعقيب: «لكل حادث حديث».
وحاول السيسي إظهار الديموقراطية أمام الألمان، لدرجة أنه أعلن رغبته في مقابلة الفتاة التي وصفته بالسفاح قبل مغادرته، كذلك رفض الدعوات التي انطلقت من مؤيديه للمطالبة بإسقاط الجنسية المصرية عنها.
أما في التقويم الاقتصادي للزيارة، فإن وزير الكهرباء المصري وقع ممثلاً عن الحكومة المصرية مع رئيس شركة «سيمنز» الألمانية عقداً لإنشاء 3 محطات توليد للكهرباء بقيمة 8 مليارات يورو من أجل إضافة 16.4 جيجا وات لشبكة الكهرباء، بالإضافة إلى اتفاقية لتدريب الشباب المصريين مع مؤسسة «sis» وتوقيع اتفاق بين المجلس التصديري للسلع الزراعية ومعرض برلين «فروت لوجيستيكا» الذي يعقد سنوياً في برلين.
وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد العرابي، قال لـ«الأخبار»، إن «نتائج الزيارة مثمرة للغاية، خاصة أن المستشارة الألمانية أكدت خلال المؤتمر دعمها للسيسي ما يظهر تيقنها من أن مصر تسير في الطريق الصحيح»، لافتاً إلى أن طبيعة السياسيين الألمان أنهم «لا يجاملون»، وأن جميع الملاحظات والانتقادات تعلن على الرأي العام.
يشار إلى أن جولة السيسي الخارجية شملت زيارة للعاصمة السودانية الخرطوم لحضور حفل تنصيب الرئيس عمر البشير لولاية سابعة، وهي الزيارة التي تضمنت مناقشات حول سد النهضة الإثيوبي والتعاون الاقتصادي بين البلدين. كذلك زار السيسي العاصمة المجرية بودابست في جولة قصيرة استمرت عدة ساعات، التقى فيها كبار المسؤولين هناك، حيث أكد أن المجر ستدعم مصر في الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه بحث الوزراء المصريون مع نظرائهم المجريين سبل التعاون المشترك خلال المرحلة المقبلة.