كان رجل كل المراحل. ظلّ أكبر هاشمي رفسنجاني موجوداً في أعلى قمة الهرم في إيران منذ الثورة بقيادة الإمام روح الله الخميني، وصولاً إلى المرشد الأعلى علي خامنئي. بدأت علاقته معهما في الحوزة الدينية، ثم تطورت مع انطلاق شرارة الثورة، وبدء النشاط السياسي والعسكري كما الاقتصادي.


يوم حطَّت طائرة الإمام الخميني في مطار طهران 1979، ونزل منها معلناً عصراً جديداً في الشرق الأوسط، كان هاشمي عضواً في مجلس قيادة الثورة برئاسة الشيخ مرتضى مطهري. وبينما كانت الأمة الجديدة تحتفل، كان هاشمي أحد أكثر المستشارين السياسيين للخميني حنكة في خوزستان بناءً على طلب الإمام، لحل مشكلة تتعلق بالنفظ آنذاك، وفق مذكراته.
طبعاً، لا يمكن الحديث عن رفسنجاني إلا بكونه رمزاً للثورة في إيران، فهو من المقربين إلى الخميني، والمساهمين في بناء الجمهورية الإسلامية. شغل أول رئيس للبرلمان ثم للجمهورية بعد وفاة الخميني، وبينهما وبعدهما مراكز أخرى.
في الحرب الإيرانية ــ العراقية التي نشبت من 1980 حتى 1988، كان رفسنجاني من المستشارين الذين نجحوا في إقناع الإمام بإيقاف هذه الحرب. في ذلك اليوم، رفض الخميني الاستسلام للرئيس العراقي صدام حسين. استدعى الإمام، رفسنجاني، والأخير آنذاك عمل قائماً بأعمال قائد القوات المسلحة، وكان «دينامو» القوة المحركة التي أدت إلى قبول إيران قرار مجلس الأمن الدولي الذي أنهى ثمانية أعوام من الحرب.
في الاجتماع، طلب رفسنجاني من الإمام خياراً كان يمكن أن ينهي مسيرته السياسية، عندما قال له: «بحكم منصبي، سأتحمل المسؤولية وأعلن وقف إطلاق النار، ثم يمكنك محاكمتي على عصيان أوامرك، وهذا ما يثبت للشعب أنه لم يكن قرارك». نظر إليه الخميني، وقال: «كلا، هذا ظلم لك، سأفعل ذلك بنفسي»، وهو ما أنهى حرب الخليج الأولى.
بعد أقل من سنة على انتهاء الحرب، دخل الخميني إلى المستشفى، وكان دائماً ما يجلس إلى جانبه رئيس الجمهورية (آنذاك) خامنئي، ورئيس مجلس الشورى رفسنجاني، وابنه أحمد. وقبل آخر صلاة جمعة أمَّها رفسنجاني في عهد الخميني، توجه إليه على فراش المرض. ينقل محمد باقر قاليباف القصة عن رفسنجاني، الذي طلب نصيحة أخيرة.
مسك الإمام الخميني إبهام رفسنجاني، وأوصاه باثنتين: أن يدعو الناس إلى أن يتقبله الله، والثانية كانت لمسار أمة تعب في بنائها وبقائها، فقال له: «لا قلق عندي على مستقبل إيران سوى أن يقع خلاف بينك وبين السيد خامنئي».
وضعه الإمام «موضع هارون من موسى»، من دون أن يوليه سلطة البلاد العليا التي أوصى بها على مسامعه ومسامع غيره أنها لخامنئي. رحل الخميني ودخلت الأمة الإيرانية في معترك انتخاب مرشد جديد. اجتمع مجلس الخبراء للانتخاب، وكشف رفسنجاني وقتذاك عمّا أخبر به هو والسيد أحمد ابن الإمام وآية الله مشكيني وآخرين، لكنه كان من أفصح عن ذلك، وقرأ خطاباً داخلياً للإمام أبرز فيه أنه في أكثر من مناسبة، كان الخميني قد أوصى بانتخاب الخامنئي مرشداً للثورة.
مرَّ الاثنان في مراحل الدراسة والثورة معاً: رفسنجاني من عائلة بورجوازية، وخامنئي من عائلة فقيرة، لكن ما جمعهما هو العداء للشاه، والثورة الإسلامية التي كانا من قادتها. مع الإمام كانا كذلك، وبعد وفاته أيضاً، حيث تولى خامنئي منصب المرشد، فيما شغل الثاني رئاسة الجمهورية لدورتين (1989ــ1997). وفي انتهاء ولايته الأخيرة، قال خامنئي: «إني أقدر كل الرؤساء الذين مروا، لكن لا أحد بالنسبة إليّ كهاشمي». خرج رفسنجاني من الرئاسة، لكنه بقي في السلطة، فليس من ذلك بدٌّ لرجل نجح في التغلغل داخل أروقة النظام لأكمله.
ظلّت الأمور في معظم الأوقات تسير بوتيرة عادية إلى حين مجيء محمد خاتمي وارتفاع صوت التيار الإصلاحي. مع ذلك، ظلت العلاقة بين خامنئي والأب الروحي للإصلاحيين على حالها، رغم الاختلافات الكثيرة في وجهات النظر وخصوصاً على الصعيد العسكري والاقتصادي.
عمل رفسنجاني على تخليص إيران من مشكلاتها الاقتصادية بإعادة الإعمار بعد الحرب وتعزيز المصارف، والانفتاح على العالم، والاعتماد على مبادئ السوق الحرة وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية، وهذا ما كان موضع خلاف مع خامنئي الذي رأى أن الاقتصاد يتطور بتوزيع أكثر عدالة للثروة، وبالاعتماد على القدرات الداخلية.
بين السيد القائد والرجل البراغماتي، ظلت الحال من شد إلى جذب، وصولاً إلى «الثورة الخضراء» عام 2009. طلب رفسنجاني في رسالة إلغاء الانتخابات. قدم الرسالة من دون توجيه تحية له. مع ذلك، أبقى خامنئي على احتواء رفسنجاني الذي نأى بنفسه في ما بعد عن التظاهرات، رغم ضلوع زوجِه في تأجيجها.
اجتماعاتهما لم تتوقف يوماً حتى في أسوأ الظروف، وكانت تحدث بعيداً عن أعين الإعلام، وأخرى ليست بذلك الخفاء. حتى يوم خرج إلى العلن قول رفسنجاني الذي كان خارج السرب، إن «المستقبل للاقتصاد والانفتاح، لا للصواريخ والقدرات العسكرية»، ردَّ عليه المرشد بقسوة، بغض النظر عن التوضيح الذي قال فيه رفسنجاني إن هذه الجملة اقتطعت من خطاب له قبل خمس سنوات.
لا شك أن الخلافات في إيران هي وجهات نظر في قيادة السلطة، لا تفسد في الود قضية بين رجلين من الرعيل الأول للثورة. واليوم، الإمام الخامنئي هو البقية الباقية من هؤلاء، وقد يكون سطَّر بدموع عينيه الرسالة الأخيرة لنعي علاقة امتدت إلى عقود ماضية من مقاعد الدراسة إلى الجبهات الأمامية في الحروب، وصولاً إلى مراكز الحكم؛ «كان ذكاؤه الوفير ومودته الفريدة ملاذاً آمناً لي بوجه خاص... لم يستطع اختلاف وجهات النظر والاجتهادات المختلفة شرخ أواصر الصداقة، ولم تتمكن وسوسة الخناسين... من الإخلال في الود العميق للراحل بالنسبة إلينا».