عشرون عاماً كانت كافية لقلب الأدوار في العلاقات الأميركية ــ الروسية بصورة دراماتيكية. فالولايات المتحدة التي فرضت نفسها كـ«القوة العظمى الوحيدة» في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تدّعي اليوم أن «سيادتها» انتهكت، وأنّ «خطابها الديموقراطي» الذي سعت إلى فرضه على دول العالم عموماً، ودول الاتحاد السوفياتي السابقة خصوصاً، يترنّح.


واليوم، تتهم واشنطن الحكومة الروسية، والرئيس فلاديمير بوتين، بـ«التدخل» في الانتخابات الرئاسية الأخيرة من خلال شن هجمات إلكترونية وتنفيذ حملات إعلامية تقول إنها ساهمت في وصول «رجل موسكو» دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، معتبرة أنّ ذلك يمثّل انتهاكاً صارخاً لشؤونها الداخلية. وقال الرئيس باراك أوباما، أول من أمس، إن الرئيس الروسي تدخل في السابق في السياسات الداخلية للدول الأوروبية، «أولاً في الدول التي كانت تابعة لروسيا سابقاً حيث يوجد الكثير من الناطقين بالروسية، ولاحقاً على نحو متزايد في الديموقراطيات الغربية». وحذّر أوباما من أن روسيا ستسعى إلى التدخل في الاستحقاقات التي ستشهدها «دول حليفة» في أوروبا هذا العام.
وردّ المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أمس، على الاتهامات الأميركية، معتبراً أن «لا أساس لها من الصحة، وليس هناك أي أدلة تثبت هذه المزاعم، وهي صادرة من منطلق غير مهني وعاطفي، ولا يمكن أن تكون نتيجة عمل محترف من قبل أجهزة أمنية مرموقة عالمياً».
ويعكس هذا التجاذب صورة عن «الضحية الأميركية»، فيما تتناسى واشنطن أن البلد الذي تتهمه بـ«التدخل» هو نفسه البلد الذي تباهت بـ«إنقاذه» عبر دعم «رجل أميركا» في روسيا، بوريس يلتسين، خلال الانتخابات الرئاسية الروسية في عام 1996.

«انتقام بوتين»

يرى رئيس الوزراء الروسي الأسبق، يفغيني بريماكوف، (أحد أبرز وجوه دولة ما بعد الاتحاد السوفياتي) في كتابه «العالم من دون روسيا»، أنّ «قادة الغرب فعلوا كل شيء من أجل عدم استعادة الدولة الروسية قوتها، ونجحوا في ذلك خلال فترة حكم بوريس يلتسين». حتى إنّ مجلة أميركية مثل «بوليتيكو» (المعروفة بسياساتها التحريرية) تذهب في مقال بعنوان «انتقام بوتين»، نُشر الشهر الماضي، إلى حدّ اعتبار أنه «بعد سنوات الإذلال في تسعينيات القرن الماضي، يسعى حاكم روسيا (بوتين) إلى الفوز بالحرب الباردة الثانية، وربما قد ينجح». وتضيف إنه «بالنسبة إلى رجل واحد في روسيا، وهو بوتين، فإن عهد يلتسين كان يرمز إلى إهانة عميقة»، مشيرة إلى أن الرئيس الروسي قال للقوات الروسية بعد وقت قصير من توليه السلطة في عام 2000 إن مهمتهم تتضمن «استعادة شرف روسيا وكرامتها».
في عام 1996، اعترف الأميركيون بتدخلهم في روسيا لمصلحة يلتسين. وفي شهر تموز من ذلك العام، نشرت مجلة «تايمز» مقالاً عن المستشارين الأميركيين الذين «أنقذوا» يلتسين (بعدما أظهرت استطلاعات الرأي حينها تراجع شعبيته بشكل كبير)، وأوصلوه إلى الرئاسة من خلال استخدام «التكتيكات الأميركية» في حملته الانتخابية.
وفي فندق في قلب العاصمة الروسية موسكو، وبسرية كبيرة، قام المستشارون الأميركيون: جورج غورتون، جو شوميت وريتشارد درسنر، الذين عملوا في السابق في حملة محافظ كاليفورنيا بيتر ويلسون، برسم خريطة الطريق التي ستضمن وصول يلتسين. عمل المستشارون بشكل وثيق مع ابنة يلتسين ومديرة حملته، تاتيانا داياتشينكو، وعمدوا الى تعليمها «التقنيات الأميركية» التي ستساعد الحملة على استقطاب الرأي العام الروسي والفوز بالانتخابات. وفي حديث له عن تاتيانا، قال غورتون «إنها ذكية ولديها قدرة على التعبير وإرادة قوية، ولكن لم يكن لديها أدنى فكرة حول الحملات الانتخابية، ولا حتى أفكار طفل (أميركي)».
ووفقاً للتقارير الإخبارية التي نشرت عقب فوز يلتسين، عمد المستشارون الى تقديم النصائح للحملة حول طريقة التنظيم، وكيفية استخدام استطلاعات الرأي استراتيجياً وتكتيكياً، وأعطوا الحملة رسالة واضحة وهي «معاداة الشيوعية». كما شجعوا يلتسين على «السيطرة الاستبدادية»، وأقنعوه بضرورة جعل محطات التلفزيون التي تديرها الدولة «تنحني لإرادته». وفي حين تباهوا بأنهم هم من أنقذوا يلتسين من الهزيمة وأنقذوا روسيا من «العودة إلى الحرب الباردة»، اعترفوا بأنهم تلاعبوا وخدعوا الرأي العام من خلال استخدام استراتيجية «زرع الخوف» بين الروس.
في حينه، سارع فريق يلتسين إلى الإنكار، أو التقليل من أهمية الدور الذي لعبه المستشارون الأميركيون في تحقيق الفوز، ونقلت «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» ردّات الفعل الغاضبة لكبار مستشاري يلتسين الذين قالوا إنهم «وضعوا المخطط المناهض للشيوعية من دون أي مساعدة». إلا أن المراقبين وجدوا في طريقة إدارة حملة يلتسين «لمسة أميركية» واضحة، وقال مراسل «تايمز»، بعد فور يلتسين، إن «الديموقراطية انتصرت ومعها جاءت أدوات الحملات الحديثة، بما في ذلك الخداع والتضليل الذي يتقنه الأميركيون جيداً. إن لم تكن تلك الأدوات رائعة دائماً، فإن النتيجة التي حققتها في روسيا رائعة بالتأكيد».
فضلاً عن ذلك، ساعدت الولايات المتحدة في تمويل حملة يلتسين «بمبلغ يقدّر بالمليارات»، في حين قدم المستشار الألماني هلموت كول مبلغاً إضافياً قدره 2.7 مليار دولار، ورئيس الوزراء الفرنسي آلان جوبيه مبلغ 392 مليون دولار، وفق تقارير إخبارية نشرتها الصحف الأميركية عام 1996.

أساطير المساعدة الأميركية


في عام 1996 دعمت
واشنطن إعادة انتخاب بوريس يلتسين لدورة ثانية

في تقرير بعنوان «أساطير مساعدة الديموقراطية: التدخل السياسي الأميركي شرق أوروبا في مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي»، يعتبر الكاتب جيرالد سوسمان أنّ «المساعدة الأميركية في روسيا كانت جزءاً من مشروع أكبر يهدف إلى تحويل هذا البلد إلى اقتصاد السوق المفتوح ووضعه تحت سيطرة مسؤولين منتخبين موالين للولايات المتحدة والرأسمالية، بغض النظر عن تاريخهم المناهض للديموقراطية». ويشير سوسمان إلى أن الولايات المتحدة لم تعتمد في مسعاها على وكالة المخابرات المركزية كما كانت تفعل في الماضي، بل تدخلت عبر المبادرات «الشفافة نسبياً» التي تقوم بها منظمات عامة وخاصة، مثل «الصندوق الوطني للديموقراطية» (NED، وهي هيئة أميركية تأسست في عام 1983 للترويج لـ«ديموقراطيات صديقة للولايات المتحدة من خلال إعطاء منح مالية»)، و«الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» (USAID)، و«فريدوم هاوس»، ومؤسسة «المجتمع المفتوح»، وغيرها من المنظمات السياسية العامة والخاصة، التي من خلال «تمويه أهدافها الاستعمارية والحفاظ على صورتها كجهات تسعى إلى تكريس الديموقراطية وإعادة بناء المجتمعات، أثبتت أنها أداة فعّالة نجحت في تحقيق أهداف السياسة العالمية الأميركية وترسيخ الروابط الأميركية مع الحكومات الأجنبية وإنشاء تحالفات اقتصادية وعسكرية تخدم مصالح واشنطن».
ووفق سوسمان، فإن التدخل الأميركي لم يقتصر على روسيا، بل قامت واشنطن، وخاصةً NED، بتمويل تيارات موالية لها في العديد من الدول السوفياتية السابقة، مثل يوغوسلافيا وجورجيا أوكرانيا وصربيا وروسيا البيضاء، وبحلول عام 1990، كان المستشارون السياسيون الأميركيون يدربون مستشاري الحملات الانتخابية في معظم الدول التي كانت تحكمها الأحزاب الشيوعية السابقة. وتنضم لهذه البلدان قائمة طويلة من البلدان حول العالم.




تقرير أميركي... بلا أدلّة

«نادراً ما تكشف الاستخبارات علناً الأسس التي استندت إليها في تقويمها»، و«إنّ التقرير لا يتضمن ولا يستطيع أن يتضمن المعلومات الكاملة التي تدعم التقويم، بما في ذلك المعلومات الاستخبارية والمصادر والأساليب». هذه مقتطفات من الصفحة الأولى لتقرير الاستخبارات الأميركية (الذي طلب أوباما نشر أجزاء منه) حول تدخل روسيا في الانتخابات الأميركية، والتي تبرر من خلالها عدم تضمن التقرير أي حقائق أو أدلة ملموسة تدين موسكو، الأمر الذي انتقدته بعض الأصوات الصحافية، وصلت إلى حد السخرية، التي اعتبرت أن الاعتماد على «صدق» الإدارة الأميركية غير كافٍ لإقناع الأميركيين.
لم يقدم التقرير، المؤلّف من 25 صفحة ويتضمن عبارة «نحن نقوّم» 19 مرّة، أي شيء جديد يُذكر، بل يكرر ما توصلت إليه وكالة الاستخبارات المركزية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ووكالة الأمن القومي. ويقول إنّ روسيا اخترقت البريد الإلكتروني التابع للجنة الوطنية للحزب الديموقراطي، ورئيس حملة هيلاري كلينتون، جون بودستا، وإنه بمساعدة «ويكيليكس» نشرت المعلومات التي حصلت عليها للتأثير على الرأي العام الأميركي.
يركّز التقرير بشكل كبير على «البروباغندا الروسية» التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الروسية، وبالأخص «روسيا اليوم» التي، وفق التقرير، غطت احتجاجات وول ستريت «بشكل مكثف» في عام 2011 وحملات «الطرف الثالث» في الانتخابات الأميركية في عام 2012. ويضيف إن الإعلام الروسي أظهر كلينتون بـ«صورة سيئة».