فاز الإيطالي أنطونيو تاجاني (63 عاماً) برئاسة البرلمان الأوروبي، مدفوعاً بتحالف جديد بين مجموعته البرلمانية، «حزب الشعب الأوروبي» اليميني الوسطي والليبراليين، وكذلك بدعم نواب مجموعة «الأوروبيون المحافظون والإصلاحيون»، ليخلف بذلك الاشتراكي الألماني، مارتن شولتز، بعد ولاية دامت عامين ونصف عام. لكن انتخاب تاجاني أثار بعض البلبلة والاستياء، إذ إنه جاء بعد انسحاب مرشح الليبراليين، غي فيرهوفشتات، وذلك للدفع نحو فوز الإيطالي نتيجة لاتفاق بين المجموعتين.


وقد عمل تاجاني، وهو ضابط سابق في سلاح الجو الإيطالي، في بروكسل لوقت طويل، حيث انتخب في البرلمان الأوروبي منذ 14 عاماً، ومفوضاً منذ عام 2008، فيما كان مستشاراً لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق، سيليفيو برلسكوني.
وأثار الاتفاق بين الليبراليين و«حزب الشعب الأوروبي»، الذي وضع تاجاني على رأس البرلمان، استياء «التحالف التقدمي الديموقراطي الاشتراكي» لأنه أبعد مرشحهم، جياني بيتيلا، وأنهى تحالفاً طويل الأمد مع «حزب الشعب الأوروبي»، أكبر مجموعة برلمانية.
ويقول «الشعب الأوروبي» الذي يضم بين أعضائه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، إنه جرى التوصل إلى اتفاق في إطار «ائتلاف كبير» يوجب تولي أحد أعضائه هذا المنصب، خاصة أن اشتراكياً، هو شولتز، تولاه خلال المدة الأخيرة.
وسبق لتاجاني أن علّق على كسر هذا التحالف في مقابلة الشهر الماضي، قائلا إنه «لا يوجد انهيار للتحالف. لدينا اتفاق واضح حول تشارك السلطة». وأضاف أن «حزب الشعب الأوروبي دعم مارتن شولتز للرئاسة في الجزء الأول من الولاية، وعلى الاشتراكيين الآن أن يدعموا حزب الشعب للجزء الثاني منها. وإن لم يفعلوا، فهم يكسرون الحلف من جانب واحد».
ويشار إلى أن «حزب الشعب الأوروبي» و«التحالف التقدمي الديموقراطي الاشتراكي» يتناوبان على زعامة البرلمان، وذلك من أجل الحد من نفوذ المجموعات «المشككة بأوروبا». إلا أن بيتيلا يقول إنه لن يقبل باحتكار «حزب الشعب الأوروبي» للمناصب العليا في الاتحاد الأوروبي، خاصة أن عضو الحزب، جان كلود يونكر، يتولى رئاسة المفوضية الأوروبية، بينما يتولى دونالد توسك رئاسة المجلس الأوروبي. وبالتالي، فإن فوز تاجاني قد يطلق دعوات إلى إعادة ترتيب الوظائف العليا، ما يزيد من عدم الاستقرار في الاتحاد الذي يعاني من الأزمات.
ويغير فوز تاجاني ميزان القوى داخل البرلمان الأوروبي، إذ وفق مجلة «بوليتيكو»، فهو يهمش «التحالف التقدمي الديموقراطي الاشتراكي»، لكونه يأتي عبر تحالف مع الليبراليين، هو الأول منذ عام 2004 حين تحالف الاشتراكيون والليبراليون لانتخاب جوزيب بوريل على رأس البرلمان. وفي مقابل دعم فيرهوفشتات لتاجاني، سيحصل الليبراليون على رئاسة «مؤتمر رؤساء اللجان»، وهو الجهاز السياسي في البرلمان الأوروبي، وفق «بوليتيكو»، التي تضيف أنّ من المرجح أن يلحظ الاشتراكيون تراجعاً لدورهم في البرلمان بسبب «نزولهم» إلى مرتبة المعارضة. من جهة ثانية، فإن هزيمة بيتيلا هي انعكاس للتراجع الانتخابي للاشتراكيين في معظم دول الاتحاد، مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة.
وحول المواضيع الجدلية في الاتحاد الأوروبي، قال تاجاني، أمس، بعد تأمينه 291 صوتاً في الجولة ما قبل الأخيرة، إن «الاتحاد الأوروبي الآن في وضع متوتر، فبعد أزمة اللاجئين، جاءت أزمة الأمن»، متابعاً بالقول: «نحن لا نتفق دائماً، لكننا ندرك أنّ علينا إيجاد الحلول». وأضاف أن تلك الحلول لا تأتي عبر شعار «مزيد من أوروبا»، ولا عبر طرح «تدمير المشروع الأوروبي ككل». وفي محاولة منه للتمايز عن مارتن شولتز، قال إنه «ليس على رئيس البرلمان الأوروبي أن يدفع بأجندة سياسية، بل هذا الأمر يعود لأعضاء البرلمان الأوروبي، أنتم تقررون ما الاتجاه الذي يجب أن نتخذه».
وتجدر الإشارة إلى أن قوة البرلمان الأوروبي وتأثيره قد ازدادا في الآونة الأخيرة، وأصبح من صلاحياته إقرار معظم تشريعات الاتحاد الأوروبي واقتراحات القوانين والقرارات، ولرئيسه دور مراقبة العمليات والاتفاقات التي تصنع سياسية الاتحاد الأوروبي. لذلك، فإن دوره في إجراءات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ضروري أيضاً، إذ في العامين المقبلين، وعند انتهاء عملية الفصل (كما هو مرجح)، على البرلمان الأوروبي الموافقة على اتفاقية الخروج أو أي اتفاقية جديدة بين الطرفين.
وسبق لتاجاني أن تحدث عن دور البرلمان الأوروبي في مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في مقابلة سابقة، قائلاً إن البرلمان الأوروبي، لكونه المؤسسة الأوروبية الوحيدة المنتخبة مباشرة، لديه «التزام بالدفاع عن مصالح مواطني دوله الـ 27»، متابعاً أنه تحت قيادته «سيلعب البرلمان دوراً بنّاءً لمصلحة الشعب الأوروبي، وأعتقد أن غي فيرهوفشتات يقوم بعمل جيد في ملف البريكست نيابة عن البرلمان».
وعن تركيا، قال تاجاني في تلك المقابلة إنها «شريك مهم للاتحاد الأوروبي، وأنا قلق بسبب التطورات الأخيرة هناك. وإذا كانت أنقرة تريد أن تكون جزءاً من الاتحاد الأوروبي، فعليها أن تحترم حكم القانون وحرية الرأي وحقوق الإنسان»، مؤكداً أن «موقف البرلمان الأوروبي واضح، المفاوضات ستبقى مجمدة حتى توقف تركيا القمع».
(الأخبار)